تركيا لا تنشغل بأجندة الأعداء .. وثاقة الخطى تمضي “سلطانة متوجة” على شرق البحر المتوسط

تركيا لا تنشغل بأجندة الأعداء .. وثاقة الخطى تمضي
تركيا لا تنشغل بأجندة الأعداء .. وثاقة الخطى تمضي "سلطانة متوجة" على شرق البحر المتوسط

تركيا لا تنشغل بأجندة الأعداء .. وثاقة الخطى تمضي “سلطانة متوجة” على شرق البحر المتوسط

ترك بوست

بقلم/ محمد صلاح الدين عبد ربه
 
بينما أنظار العالم تتجه إلى أمور كبيرة وخطيرة مثل الأزمة الأذرية الأرمنية، في القوقاز، والوضع في شرق المتوسط وما أسفرت عنه المحادثات التي تجرى بمقر الناتو في بروكسل بين تركيا واليونان عضوي الحلف،  لمعرفة تفاصيل ما تم التوصل له من تفاهم مشترك في المبادئ العامة حول “آليات فض النزاعات بين الجانبين” برعاية الناتو، وإذ فجأة عادت مذكرة التفاهم التركية الليبية إلى الواجهة مرة أخرى بالأمس بخبر من الأمم المتحدة، فما القصة ولماذا عادت تلك المذكرة إلى الواجهة مرة أخرى؟
 
أولاً: لمحات تاريخية
 
1- مذكرة التفاهم التركية الليبية كانت قد وقعت في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، والتي تم توقيعها من الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الليبي فايز السراج.
 
2-  دخلت مذكرة التفاهم حيز التنفيذ، السبت 7 ديسمبر/كانون الأول 2019، بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر الأبيض المتوسط. بعد أن نشرت الجريدة الرسمية للدولة التركية، مصادقة البرلمان التركي على مذكرة التفاهم بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية، بشأن حدود الصلاحية البحرية في المتوسط. بحسب الأناضول التركية.
 
3- ووفقاً للمذكرة، قررت تركيا والحكومة الليبية العمل على تحديد المجالات البحرية في البحر المتوسط بشكل منصف وعادل، والتي يمارسان فيها حقوق السيادة و/أو الصلاحيات المنبثقة من القوانين الدولية كافة، مع أخذ الظروف ذات الصلة بعين الاعتبار. بحسب موقع تي أر تي عربي.
 
 
ثانياً: تحالف “إيست ميد” الغازي ضد تركيا
 
1- وقد جاءت المذكرة التركية الليبية رداً على الحلف الذي تشكل في المنطقة بين كل من قبرص واليونان وإسرائيل بهدف محاصرة تركيا والقبارصة الأتراك ومنعهم من الحصول على حقوقهم في غاز شرق المتوسط، ذلك الحلف الذي استغل غضب مصر من تركيا التي لا زالت لا تعترف برئيس الانقلاب العسكري في مصر رغم التواصل الاستخباراتي بين البلدين، فقبل مذكرة التفاهم التركية الليبية 2019 وبصورة مبكرة جداً تشكل حلف “إيست ميد”وتحديداً في 2015 حيث بدأت المحادثات بين قبرص واليونان وإسرائيل حول إنشاء خط الغاز ، وأعلنت الدول الثلاث، من قلب العاصمة اليونانية أثينا في ديسمبر2019، أنها ستوقع في الثاني من يناير 2020 اتفاقا لبناء خط غاز “إيست ميد”، على أن تنضم إيطاليا إلى الاتفاق في وقت لاحق، وفق موقع “غريك ريبورتر”. 
 
2- فتم ضم مصر للحلف ثم ما لبث أن تركها في منتصف الطريق، ثم وقعت مصر واليونان اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بينهما في 6 أغسطس 2020، تلك الاتفاقية التي أغضبت تركيا بشدة وهو ما هدفت منه مصر إذ كانت بمثابة مناكفة سياسية ونكاية لها أكثر منها اتفاقية تهدف لحفظ حقوق مصر ومصالحها.
 
3- وحسب موقع الجزيرة نت يستند أصحاب نظرية النكاية السياسية ضد تركيا إلى أن حقوق مصر وفقا للرؤية التركية أكبر من التي حصلت عليها وفقاً للاتفاقية مع اليونان، لكن السلطات المصرية تقول إن القانون الدولي في صف الرؤية اليونانية وليس التركية. مع العلم بأنه قبل نحو شهرين، كشف المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، أن بلاده وجهت الدعوة إلى مصر واليونان بالإضافة إلى ليبيا لترسيم الحدود البحرية شرقي البحر المتوسط.
 
4- يفترض أن يكون خط أنابيب “إيست ميد”، الذي يتراوح طوله من 1900 إلى 2000 كيلومتر ، قادرا على نقل ما يصل إلى 11 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، من احتياطيات حوض شرق المتوسط البحرية، قبالة قبرص وإسرائيل، إلى اليونان وإيطاليا ودول أخرى في جنوب شرق أوروبا، عبر خطوط أنابيب الغاز اليونانية “بوزيدون” و “أي جي بي” الأمر الذي تعارضه تركيا بقوة لأنه يستند إلى ترسيمات حدودية بين تلك الدول تستثني تركيا منها وتتجاهل حقوقها وحقوق القبارصة الأتراك كما سبق ذكره. 
 
5- لذا كانت مذكرة التفاهم التركية الليبية في العام 2019 رداً على تحركات الحلف الذي شكلته إسرائيل، اللافت في الأمر هو ترويج البعض من أنصار الحلف المُتشكل ضد تركيا في المنطقة بأن أن مذكرة التفاهم التركية الليبية مع حكومة الوفاق المعترف بها دلياً ستسقط بمجرد تغيير الوضع السياسي الداخلي الليبي ورحيل حكومة فائز السراج، وأن الرئيس رجب طيب أردوغان سيكون أكبر الخاسرين من ذلك، وأن هذا سيُهني التدخل التركي في ليبيا “العربية” مُتناسين أن مذكرة تفاهم ترسيم الحدود البحرية تختلف كلية عن مذكرة التفاهم المتعلقة بالتعاون الأمني والعسكري والتي صدق عليها البرلمان الترك أيضاً في 26 ديسمبر 2019 الماضي، ولم تخرج أي تصريحات رسمية تركية على هذه الإدعاءات الساذجة.
 
 
ثالثاً: دعوة تركية متجددة للحوار
 
1- وكانت تركيا قد دعت للحوار مع جميع الدول المعنية بأزمة شرق المتوسط وخاصة مصر تحديداً والتي تولي لها تركيا مكانة كبيرة نظراً لما لها من ثقل ووزن استراتيجي كبير.  جاء ذلك على لسان تشاووش أوغلو وزير الخارجية التركي الذي أوضح في مقابلة على قناة “NTV” التركية في يونيو 2020، أنه بتفويض من الرئيس رجب طيب أردوغان أجرى اتصالات مختلفة مع مصر في السابق.
 
2- إلا أن التوازنات في ليبيا أدت إلى توتر العلاقات قليلا. وقال تشاووش أوغلو: “عند النقطة التي وصلنا إليها، تطبق الطريقة الأكثر عقلانية، وهي إجراء حوار وتعاون مع تركيا بدلا من تجاهلها”. وأكد أن تركيا تعارض الانقلاب في مصر، وتقف إلى جانب الشعب المصري الشقيق، وترغب في استقرار مصر دائما. وأضاف: “لا نريد أن تهدر الانقلابات والفوضى طاقة دولة وأمة قوية، العالم العربي والإسلامي والشرق الأوسط بحاجة لمصر قوية ومستقرة”.
 
3- وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد دعا في الإسبوع الماضي من شهر سبتمبر إلى عقد مؤتمر إقليمي حول شرق المتوسط بمشاركة جميع الأطراف، بين تركيا واليونان وقبرص الرومية. وفقا لما نقلته وكالة “الأناضول” التركية، وذلك خلال مؤتمر عبر الفيديو مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل، إلى مشاركة “القبارصة الأتراك” في هذا المؤتمر.
 
رابعاً: مفاجأة الأمم المتحدة حول مذكرة التفاهم 
 
1- البعض يُفسر الإصرار التركي على الدعوة للحوار وعقد مؤتمر إقليمي لحل الأزمة شرق المتوسط على أنه ضعف تركي، وهو تفسير خاطئ، فالحقيقة أن الحوار من ثوابت السياسية التركية، ولكن الحوار على أساس من القانون والمواثيق والمعاهدات الدولية، ومن منطلق القوة التركية التي تحرص سفن التنقيب والمسح الزلزالي في شرق المتوسط.
 
2- وفي خطوة مفاجئة أعلنت وسائل الإعلام والنُشطاء الأتراك أن الأمم المتحدة قد سجلت مذكرة التفاهم الموقَّعة بين تركيا وليبيا، المتعلقة بتحديد مناطق الصلاحية البحرية في المتوسط. ووفقاً لشهادة التسجيل الصادرة عن الأمم المتحدة أمس الخميس، فإن الأمين العام أنطونيو غوتيريش، صدَّق يوم 30 سبتمبر/أيلول المنصرم على مذكرة التفاهم بموجب المادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة بحسب تي أر تي عربي. 
 
3- وبهذا نستطيع القول أن تركيا لا تنشغل بأجندة أعدائها أو من يُقيمون أحلافاً لمواجهتها، بل تنشغل بأجندتها الوطنية التي تسعى من خلالها للمحافظة على حقوقها وحقوق شعبها وأشقائها من القبارصة الأتراك والليبيين على حد سواء وذلك وفقاً للقوانين والمواثيق والمُعاهدات الدولية، واحترام مبدأ سيادة الدول وقيم الحق والعدل دون إقصاء،   وبهذا تؤكد تركيا أنها قادرة على تغيير قواعد اللعبة ووضع القواعد الصحيحة التي تضمن حقوقها وحقوق الأشقاء وحتى من ينافسوها أو يُعادوها في شرق المتوسط أو في الإقليم عامة وهي وثاقة الخطى تمضي “سلطانة متوجة” على شرق البحر المتوسط وباعتراف الأمم المتحدة.  وقد أتى اعتراف الأمم المتحدة بمذكرة التفاهم التركية الليبية ليزيد الموقف التركي قوة إلى قوة أمام القوى الإقليمية والدولية المناهضة لتركيا وفي القلب منهم فرنسا. 
 
 
خامساً: تركيا وتغيير قواعد اللعبة وسيناريوهات المستقبل  
 
1- الأمر الذي سيُلقي بظلاله على مستقبل مشروع خط أنابيب “إيست ميد”، الذي يتعين عليه أخذ الموافقة من “تركيا وليبيا” أولاً إذا ما أراد المشروع أن يتم، وهذا معناه درس سياسي وقانوني إقليمي ودولي لأي قوة تريد أن تتجاهل تركيا في المنطقة، حتى ولو تحالفت تلك القوة مع غيرها ضد المصالح التركيةـ فإنها لن تستطيع أن تحقق أهدافها لأن تركيا قادرة على الدفاع عن حقوقها وقلب الموازين سياسياً وعسكرياً كما فعلت في سورية والعراق وليبيا والآن في أذريبيجان، فهل انتهى الدرس؟
 
2- لا أعتقد أن الدروس التركية قد انتهت، فالقوى الإقليمية الكبيرة منها والصغيرة لا يبدو أنها بصدد الاستفادة من الدروس التركية، وعليه فالمجال مفتوح لدروس أخرى في ملفات المنطقة الشائكة والمعقدة، ويبدو أيضاً أن أولويات الدروس ستكون وفق الأجندة التركية للمنطقة شاء من شاء وأبى من أبى، لذا فعلى العُقلاء ألا يعبثوا بأمن المنطقة، وأن يتخلوا عن سياسة المُكايدة، وأن يتحالفوا مع الحليف التركي “الموثوق” الذي يُدافع عن حُلفائه، بدلاً من التحالف مع كيانات ودول و دويلات ضعيفة و هشه،
 
 

3- وذلك على قاعدة المصالح المشتركة والحقوق و الاحترام المتبادل لسيادة الدول والتخلي عن  سياسية المُكايدة والمناكفة السياسية بالتركيز على المكاسب المتبادلة لشعوب ودول المنطقة، وعلى الدولة المصرية أن تدرك أن من مصلحتها ومصلحة شعبها أن تطور العلاقة مع الدولة التركية في إطار علاقة المؤسسات، ولا تصر على علاقة على مستوى الرؤساء لأن تركيا لا تريد أن تقر بالانقلاب العسكري 2013، ليس فقط لأنها قد عانت من الانقلابات العسكرية، بل لأنها تحترم إرادة الشعب المصري وتتمسك بقيم الحرية والعدالة والديمقراطية وهي قيم أصيلة تتمسك بها تركيا وإن تخلى عنها الغرب وأمريكا لأجل مصالحهم بالمنطقة.

المصدر: ترك بوست

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا