أرمينيا معضلة تركيا التي يجب أن تُطوى

أرمينيا معضلة تركيا التي يجب أن تُطوى
أرمينيا معضلة تركيا التي يجب أن تُطوى

أرمينيا معضلة تركيا التي يجب أن تُطوى

ترك بوست

خاص ترك بوست

الطيب صياد – كاتب جزائري

تقريبا؛ المسألة الوحيدة التي أتوقع أن تركيا دخلتها مرغمة هي حرب اليوم الواحد التي اندلعت منذ أسبوع بصورة عنيفة بين الجيشين الأذربيجاني والأرمني على سفوح وتلال إقليم قرة باخ المتنازع عليه، وأنا أسجل هذه الملاحظة فقد وصلت خسائر الطرفين إلى مئات الضحايا بين قتلى وجرحى مدنيين وعسكريين وتدمير عشرات الدبابات والمسيرات ومنصات الصواريخ وغيرها، إن هذه الأعداد التي سقطت خلال 24 ساعة الأولى في اشتباكات عنيفة جدا ليست محض صدفة بل هي نتيجة لخطة مدبرة من طرف الدول الداعمة لأرمينيا والتي قد تكون فرنسا أكثرها احتمالا بسبب خسائرها في الحرب الباردة مع تركيا في الملف الليبي وملف شرق المتوسط وكذلك فشلها في المحافظة على قوتها التاريخية المعهودة في كل من سوريا ولبنان، فرنسا التي تعاني اقتصاديا وصحيا وعلى الصعيد الخارجي بفقدان الحماية الأمريكية والتفكك الجوهري للاتحاد الأوروبي فضلا عن جماعات الضغط اليميني وثورة السترات الصفراء وضعف حكومة ماكرون وتدفق اللاجئين- كل ذلك جعلها تبحث عن أي ورقة تجعلها تربح ولو قليلا من الوقت في مواجهة تركيا، حرب اليوم الواحد التي أشعلتها أرمينيا تبدو نيرانها موقدة من قصر الإيليزيه وبدعم طفيف من روسيا المورد الأساسي للسلاح في الجمهورية التي رسمها الحلفاء منذ مئة عام بخطوط من دماء القومية والمسيحية المتطرفة.
أقول: لقد تحركت تركيا بمحض إرادتها في مياه شرق المتوسط لتغيير خريطة الصلاحيات البحرية وكان لها ما أرادت ولم يستطع زعماء الاتحاد الأوروبي فرض أي عقوبات عليها ولا منعها من التنقيب في المنطقة التي يزعمون تبعيتها لأثينا، هذا الملف ربحته تركيا تماما، في ليبيا كان التدخل التركي حاسما إلى حد كبير في منع سقوط البلاد بيد الميليشيات متعددة الجنسيات التي استقدمها المال الإماراتي من روسيا والسودان واليمن وسوريا ومصر، لقد حافظ الجيش الليبي على العاصمة طرابلس وسيطر على مناطق استراتيجية وألحق هزائم متوالية بالجنرال حفتر واضطر أوروبا لإطلاق عملية سياسية لاحتواء الوضع كان هذا بدعم تركي رسمي في إطار اتفاقيتها مع الحكومة المعترف بها دوليا، وفي العراق دمرت الطائرات التركية مخابئ الانفصاليين وعزز الجيش وجوده بقواعد عسكرية جديدة، في سوريا يسيطر الأتراك على المنطقة الآمنة في الشمال بحضور عسكري واستخباراتي حتى باتت جرابلس السورية مثل أي مدينة في الجنوب الشرقي لهضبة الأناضول، هذه الحروب التي شنتها أنقرة كانت استراتيجية سياسية وعسكرية مدروسة على مدى سنوات، الأمر الذي لا أستطيع إثباته في القضية الأرمينية بكل صراحة، ومع أن المسؤولين الأتراك صرحوا بدعمهم المطلق والحماسي للآذريين تحت شعار “شعب واحد في دولتين” وتقديم السلاح وطائرات البيرقدار المسيرة التي ألحقت هزائم كبيرة بالآليات العسكرية الأرمن؛ إلا أن نشوب الحرب في تلك الأصقاع ليس من مصلحة أي طرف على الأقل في هذا الوقت وهو بالضبط ليس في مصلحة تركيا مهما بدا خطاب مسؤوليها حاسما ومليئا بنبرة الانتصار، إن القضية الأرمينية هي تماما أخت القضية الكردية: نقاط توتر ساخنة تركها الاستعمار الأوروبي مطلع القرن الماضي لإشعالها في اللحظات المناسبة، ونحن نعلم حجم الخسائر البشرية والمادية التي مُنيت بها تركيا منذ اندلاع الحرب ضد المسلحين الأكراد طيلة ثلاثين سنة، فالانفصاليون الأكراد لا يختلفون عن أرمينيا التي كانت جزءا صغيرا من تركيا الكبرى، فهي أرمينيا التي رُسمت لتكون حاجزا بين مواطني أمة واحدة هي الأمة التركية التي تتوزع اليوم بين البلد الأم تركيا والبلد الآخر أذربيجان، أرمينيا هي معضلة تركيا الأكثر صعوبة وقد أشار إلى ذلك الرئيس التركي قبل أيام حين قال: إن أرمينيا دولة إرهابية وهي تشكل خطرا على المنطقة كلها، تصريح مثل هذا ليس عبثا بل هو يعني مئة عام من الخبث الاستعماري الأوروبي الذي نشهد آثاه القاتلة والتخريبية كل بضع سنين.
وفي كل الأحوال؛ علينا أن ندرك أن تركيا الجديدة بالتطور الافتصادي والعسكري الذي تشهده وتعزيز النظام الديموقراطي في الداخل ليست هي تركيا القديمة التي كان يتحكم فيها عسكر الانقلابات الدموية والاحتراب الداخلي والعَداء للميراث الديني والثقافي الذي يتجاوز سبعة قرون، والتي مع ذلك استطاعت أن تحل أزمة كبيرة لإحدى المجموعات التركية وأقصد هنا أتراك جزيرة قبرص، فقد تدخلت تركيا وفرضت سيطرتها على الأراضي التي يقطنها المسلمون الأتراك في تلك الجزيرة خلال سبعينيات القرن الماضي دون أن تعبأ بقرارات ولا عقوبات الدول العظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، استطاعت تركيا التوسع خارج حدودها رغم الضعف الداخلي على كافة المستويات المعيشية والاقتصادية والسياسية، فإذن كيف ستكون تحركاتها اليوم وتي تتمتع بقوة اقتصادية وصناعات عسكرية وطنية ودبلوماسية نالت اعتراف العدو قبل الصديق، إن نجاحات أنقرة في شمال إفريقيا وبلاد الشام وتمركزها العسكري الدائم في الخليج العربي وغرب إفريقيا واستعدادها لوجود عسكري طويل الأمد في ألبانيا حيث الشرق الأوروبي وبوابة الدخول نحو القارة العجوز؛ كل ذلك مع الارتباط الروحي الذي اكتسبته في قضايا الأويغور ولدى عموم الشعب الباكستاني الذي يمتلك دولة قوية عسكريا وجغرافيا؛ سيجعل لتركيا مع أذربيجان قوة راجحة للغاية في الصراع الحالي مع أرمينيا التي تحتل إقليما كبيرا داخل أراضي أذربيجان، فهل ستتمكن القوى الغربية والشرقية المتربصة أن تعرقل مسيرة تركيا من خلال المستنقع الأرمني أم أن باريس ستعود مرة أخرى ذليلة خاضعة مطالبة بالتسوية السياسية كما فعلت دوما في الملفات الأخرى؟!

 

المصدر: ترك بوست

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا