الشخصية التنظيمية المثالية من أجل أوجلان

الشخصية التنظيمية المثالية من أجل أوجلان
الشخصية التنظيمية المثالية من أجل أوجلان

الشخصية التنظيمية المثالية من أجل أوجلان

ترك بوست

الكاتب: ياسين اقطاي

الشخصية التنظيمية المثالية من أجل أوجلان

الكتاب الذي صدر مؤخرًا بعنوان “الديكتاتور الأخير” لـ آيتكين يلماز، سلط الضوء بعناية وتقييم صادقين، على أكثر المراحل إيلامًا في تركيا بأسلوب أدبي قوي وحقيقي. يلامس الكتاب تلك النظرية التي باتت من البديهيات والتي تزعم أن القضية الكردية هي التي أنتجت منظمة بي كاكا، كما أنه يتشابك مع الروايات التي صارت أيضًا محفوظة في الأذهان والتي تقلص القضية الكردية أيًَا على أصناف التعذيب في سجون ديار بكر. كاشفًا كيف تحولت سجون الدولة طيلة التسعينيات إلى مراكز تجنيد ومعسكرات تدريب مكثفة للمنظمة.

ربما الجميع على دراية وعلم بهذه الأشياء، إلا ان شهادة يلماز من داخل تلك السجون والتفاصيل والمخاوف التي عايشها، وطريقة النقل الاستجوابية التي تتمتع بصدق فكري؛ تقودنا بلا شك إلى تسمية المشكلة بطريقة أخرى. منظمة بي كا كا ليست ناتجة عن القضية الكردية، بل على العكس إنها تبدو لاعبًا يحاول فعل ما بوسعه من أجل تخضيم المشكلة وتعميقها. ولقد عاينا ذلك في كل ردود الفعل التي نتجت لاحقًا عن المنظمة.

تذكروا كيف أثار قول الرئيس أردوغان “المسألة الكردية انتهت بالنسبة لنا”؛ غضبًا، إبّان الحقب الماضية التي مررنا فيها بمراحل جذرية مثل الانفتاح الديمقراطي و”عملية الحل”. إن ما قاله أردوغان لا يعني إنكار الهوية او المسألة الكردية، بل إنه كان يحاول إيصال رسالة مفادها أن المسألة الكردية تم حلها بالفعل من خلال المبادرات “الإصلاحات” التي تمت بالفعل لا سيما تحت قيادته. في حين أن دوائر حزب الشعوب الديمقراطي ومنظمة بي كا كا الإرهابية كانت تعلم أن وجودها لا بد أن يكون قائمًا على مشكلة، ولذا لم يكن لهم أدنى تحمل لسماع شيء من هذا القبيل. لأن المشكلة ليست بالأكراد بل بمنظمة بي كا كا ذاتها، حيث أن وجودها مرتبط أصلًا بالمشكلة، ولذا فإن حل المسألة الكردية كان بحد ذاته شيئًا يدعو للغضب.

في واقع الأمر كان يلماز في كتابه يسلط الضوء على بُعد السجون من حيث كونها أداءً اعتمدت عليه منظمة بي كاكا في تأجيج المسالة الكردية. نعم كان جلّ ذلك معروفًا، لكنني أعتقد أن هذه القضية ما قبل طرح يلماز لم تكن تحظى بحجمها الحقيقي.

كانت السجون من حيث كونها “معسكرات”، بمثابة مصنع لإنتاج ضخصيات تخدم المنظمة، أو بالأحرى لإنتاج إنسان بدون روح معزول عن شخصيته، جاهز للموت أو القتل. يتم فيها تطبيق تقنيات شبيهة بتلك التي تكون في إنتاج الميليشيات. والعامل البشري في مصنع الإنتاج هذا هو “عبد الله أوجلان”، الذي ينعته يلماز بـ “الديكتاتور الأخير”.

هذه التقنية في الإنتاج التي يتحدث عنها، يتم تطبيقها في الحقيقية بطرق مختلفة في شتى المنظمات، منها ما هو حديث ومنها ما هو ديني كذلك، وليست منظمة غولن ببعيدة عن ذلك، حيث يتم إنتاج مريدين معدومي الإرادة والشخصية أمام “المعلم الأكبر” (هوجا أفندي)، تمامًا كتقنية تحولهم إلى مجرد أموات بلا روح.

نعم يجب الاعتراف أن هناك الكثير من الخصائص في أساليب منظمة بي كا كا الإرهابية، إلا أن النتيجة في المؤدّى واحدة.

يفكر يلماز مليًّا كما يحث على التفكير والتمعن في تلك التقنيات التي يستخدمها أوجلان بالقهر والقوة من أجل تحويل الأشخاص لأدوات، يصفها يلماز بأنها ترى الأبيض أسودًا والأسود أبيض نتيجة ذلك التحويل. لقد كان أوجلان ذاته في عام 1999 يتحدث بكل أريحية ونشوة عن إعدام ما لا يقل عن 15 ألف شخصًا من عناصر المنظمة على يد المنظمة ذاتها، بتهمية الخيانة أو الفساد أو عدم الامثتال، أو الشبهة أو لسبب آخر. كان يلماز يطلق على هذا توصيف “قتل رفيق الدرب”. ليس من المهم أن يكون هذا مؤلمًا أو غير مؤلم ما دام أنه يضمن تطويع الآخرين وترهيبهم، وبينما كان يُتوقع من بقية عناصر المنظمة أن تستقبل هذه الأخبار بنوع من السخط أو التردد أو الكفر بهذه القضية، كان يحدث العكس؛ فجميع الأبواب موصدة أمام ذلك، بل كان يزداد الضغط من أجل تقديم الولاء للقائد دون شرط أو قيد.

كانت التقينات المعتمدة في السجون هي تحويل “رفاق الدرب” إلى أشخاص بلا أرواح جاهزة لملوت أو القتل، ليس من أجل شيء سوى في سبيل المنظمة والقومية الكردية واللغة ومن أجل القائد أوجلان، حيث تعمل المنظمة على سبيل المثال؛ على إظهار أن سبب وجودها والدافع له هو ما يتم ممارسته من اضطهاد وحظر على اللغة الكردية، لكن ومع ذلك -يقول يلماز- ظلت اللغة التركية هي اللغة الرسمية للمنظمة على الدوام حتى في السجون التي كانت تسيطر عليها فعلًا لسنوات، في مشهد تناقضي مثير للغاية، لكن لماذا؟ ما الذي يمنع من التحدث باللغة الكردية داخل العنابر التي تخضع لسيطرة تامة من قبل منظمة بي كاكا؟ لماذا لم يكن التحدث باللغة الكردية من أساسيات المنظمة؟

قصص مفجعة لأشخاص من “رفاق الدرب” الذي لم يتمكنوا مثلًا من مقاومة الشرطة وتحدثوا تحت التعذيب (خلال فترة التسعينيات)، ليجدوا مصيرهم في المنظمة سجنًا وتعذيبًا وإعدامًا أيضًا.

العقل المشترك الذي يسيّر المنظمة يجعل أوجلان يعمل جاهدًا للبحث عن “كرامة” لأي فعل يقوم به. ولقد تجسد هذا العقل المتشرك في كلمات أوجلان وحضوره. لدرجة أن أصبح أوجلان هو الشخص الوحيد الذي يمثل الوجود الكردي الذي يمتد لآلاف السنوات، ومجرد الاعتراض عليه هو اعتراض على هذا الكيان التاريخ وحقيقته.

إن نظام الخطاب الذي تعتمده المنظمة يضمن عدم ظهور أي تناقض بين أي فعل من أفعال أوجلان، ولذا لن ينتج شيئًا حينما يكون أكثر “المريدين” تعصبًا أمام أكثر الطرف فسادًا. ولا يتردد اوجلان في إذلال كل ميليشياته بل كل الأكراد أحيانًا، من خلال جميع خطاباته. لا يكون الإذلال بحد ذاته شيئصا مطمئنًا بعد نقطة معينة، إلا أنه عند يكون في منطق الديكتاتورية يتحول لشيء أكثر وحشية، هو الإدمان على الإذلال.

وفي واقع الأمر نجد أن أوجلان حينما تم القبض عليه في “كينيا” ومن ثم جلبه إلى تركيا، يتحول لشخص آخر. فبينما كان في الأمس “القائد” لا يكترث لحياة عشرات الآلاف من الناس، ويقوم بزجهم نحو الموت؛ ها هو الآن يمهد الطريق نحو حياة جديدة، دون أن يكلّف نفسه لإظهار شيء من المقاومة قائلًا “أنا مستعد لخدمة الدولة”.

وبعد فترة من الوقت يسأل المحامين الذي قدموا لزيارته، حول ما إذا كانت الدولة ستقوم برفع عقوبة الإعدام أم لا.

إن العقل والإرادة بصفتهما أعظم نعمة منحها الله للإنسان، حينما يوقم الإنسان بتسليمها للآخر فإن ما ينتج عن ذلك هو “العبودية”.

وإن يلماز يقدّم في كتابه العديد من النماذج حول الظروف المختلفة التي تعتري الإنسان.

 

المصدر: يني شفق

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا