أتاتورك وقصة تحويل آيا صوفيا إلى متحف بأموال أمريكية

أتاتورك وقصة تحويل آيا صوفيا إلى متحف بأموال أمريكية
أتاتورك وقصة تحويل آيا صوفيا إلى متحف بأموال أمريكية

أتاتورك وقصة تحويل آيا صوفيا إلى متحف بأموال أمريكية

ترك بوست

أتاتورك وقصة تحويل آيا صوفيا إلى متحف بأموال أمريكية

كما كان متوقعا، ألغى مجلس الدولة في تركيا في وقت سابق من الشهر الجاري قرار مجلس الوزراء لسنة 1934، والذي حوّل مسجد آيا صوفيا إلى متحف. أبطلت هذه الخطوة قرار مؤسسي الجمهورية، وفي مقدمتهم مصطفى كمال أتاتورك، والجنرال عصمت إينونو ثاني رئيس لتركيا (1938 إلى 1950)، وجلال بيار الرئيس الثالث للبلاد (1950 إلى 1960).

في غضون ساعة، وقّع الرئيس رجب طيب أردوغان مرسوما نُقل بموجبه آيا صوفيا إلى رئاسة الشؤون الإسلامية وفُتحت أبوابه للمصلين لأول مرّة منذ أكثر من ثمانية عقود. ويوم الجمعة، ستقام أول صلاة جمعة هناك منذ 86 سنة. لكن كيف أصبح آيا صوفيا متحفًا في مرحلة أولى؟ 

في 12 حزيران / يونيو سنة 1929، التقى ثمانية من أشهر أثرياء الولايات المتحدة في فندق توكاتليان في شارع الاستقلال باسطنبول. تم تأسيس المعهد البيزنطي الأمريكي الذي غيّر مصير آيا صوفيا خلال مأدبة عشاء في تلك الليلة. كان العقل المدبر للعملية هو توماس ويتمور، وهو شخصية أكاديمي مرموق مهتم بالفن البيزنطي.

كان ويتمور يملك شبكة علاقات قوية تشمل أثرياء من الولايات المتحدة وأمراء روس، ومنهم الرسام هنري ماتيس والناقد الأدبي جيرترود ستاين. عُرف ويتمور بأوشحته كبيرة الحجم وحبه للقبعات، كما كان متديّنا ومرحا ونباتيا. كان العالم يمضي نحو الكساد الكبير، وكانت مهمة إقناع أثرياء الولايات المتحدة بإنقاذ الآثار البيزنطية في اسطنبول إنجازا كبيرا بالنسبة لويتمور. تمثل الإنجاز الأكبر بعد ذلك بسنتين في الحصول على إذن من أنقرة بالكشف عن الفسيفساء البيزنطية الموجودة في آيا صوفيا.

أصدر مجلس الوزراء التركي قرارًا في 7 حزيران/يونيو سنة 1931 وقّع عليه أتاتورك وإينونو. وفقًا لأرشيف المعهد البيزنطي، لعب جوزيف غرو، سفير الولايات المتحدة في أنقرة آنذاك، دورًا مركزيًا في الحصول على الترخيص. يعرف غرو وأتاتورك بعضهما البعض جيدًا. في لقطات انتشرت على نطاق واسع، تحدث الاثنان للشعب الأمريكي سنة 1927 عن “تركيا الجديدة”.

شهدت تلك الفترة أيضا تقاربا بين تركيا وأعداء سابقين، على غرار رئيس الوزراء اليوناني السابق، إلفثيريوس فينيزيلوس. وقّعت أنقرة وأثينا اتفاق سلام وتعاون سنة 1930 بعد أن أجرى فينيزيلوس زيارة إلى تركيا. رشح فينيزيلوس لاحقًا أتاتورك لجائزة نوبل للسلام. في الواقع، كانت تركيا تتطلع للانضمام إلى عصبة الأمم في محاولة لتحقيق التوازن في علاقاتها الخارجية في ظل صعود الفاشية.

قرار سري

قوبل القرار التركي بالكشف عن الفسيفساء بابتهاج كبير في الغرب، لكن الشعب التركي لم يدرك حقيقة ما يحدث. في الواقع، اتُخذ القرار في سرية تامة ولم تعلم به الصحف التركية إلا بعد شهرين، وذلك بعد أن كشف عنه تقرير في صحيفة نيويورك تايمز.

في اليوم ذاته، نشرت الصحف التركية تقارير عن طيارين أمريكيين قادمين من نيويورك إلى اسطنبول، وعن رسالة بعث بها أتاتورك إلى الرئيس الأمريكي. كما كانت هناك تصريحات من مسؤولين أتراك تؤكد أن العمل على الفسيفساء لن يغيّر معالم المسجد.

في السنة الأولى، كشف ويتمور وطاقمه عن الفسيفساء الموجودة خارج المسجد، وبقي المسجد مفتوحًا للصلاة. وبعد ذلك بدأت المشكلة الحقيقية: كيف سيُكشف عن الجزء الموجود داخل المسجد بما فيه من صور وأيقونات؟

بالمصادفة، دعا أتاتورك ويتمور إلى مؤتمر تاريخي في أنقرة. وقد رحبت به ابنة أتاتورك بالتبني، زهرة، والتي انتحرت لاحقا بعد أن درست في بريطانيا، حيث ألقت بنفسها من القطار عندما كانت في الطريق إلى فرنسا.

التقى أتاتورك مع ويتمور في اجتماع علني، وقد استمع الرئيس التركي إلى آراء الباحث الأمريكي حول الفسيفساء البيزنطية وأخذ نصيحته بإرسال ابنته زهرة إلى بريطانيا لتعلم اللغة الإنجليزية. لكن صورة أتاتورك مع ويتمور لم تكن كافية لتهدئة الشعب التركي.

انتشرت الشائعات حول عمليات التنقيب، وهو ما الذي دعا السياسي التركي خليل أدهم، أحد مؤسسي المعهد البيزنطي، إلى القيام بخطوة جديدة لتهدئة الجماهير. ظهر أدهم مع ويتمور في آيا صوفيا، وقال إن عمليات التنقيب لم تلحق أي ضرر بمعالم المسجد، وأن الصور ليست محظورة في الإسلام.

المفاجأة الصاعقة

جاءت أول وثيقة رسمية تُعلن تحويل آيا صوفيا إلى متحف في شكل رسالة من وزير التربية والتعليم آنذاك عابدين أوزمين بتاريخ 25 آب/ أغسطس 1934، أرسلها إلى مكتب رئيس الوزراء.

كتب أوزمين: “بناء على الأمر الشفوي الذي تلقيته، أقدم لكم هذه النسخة من الأمر الصادر باتخاذ التدابير اللازمة لتحويل مسجد آيا صوفيا إلى متحف”. قامت رئاسة الوزراء على الفور بتكوين لجنة وحددت قائمة المهام خلال يومين.

كشف أوزمين تفاصيل ذلك الأمر بعد تقاعده سنة 1949، حين قام بزيارة إلى المدير العام لمتحف آيا صوفيا، مظفر رمضان أوغلو: “جاء الأمر أساسا من أتاتورك، بأسلوب أكاديمي، حين قال إن تحويل آيا صوفيا إلى مسجد مفتوح للزوار من جميع الأمم والأديان سيكون أفضل من تركه حكرا على دين وطائفة بعينها”.

أثار خبر قرار تحويل آيا صوفيا إلى متحف ضجة كبيرة. لقد فوجئ الجميع، حتى أن مدير المتاحف المذكورة في الأخبار لم يكن يدري ما الذي يحدث.

وصل الأمر إلى درجة أن صحيفة جمهوريت اليومية الموالية لأتاتورك انتقدت القرار في مقال نُشر على صفحتها الأولى: “علينا أن نعترف بأننا ما زلنا مندهشين ونحن نقرأ أخبار الصحف التي تقول إن آيا صوفيا سيتحوّل إلى متحف. نسأل أنفسنا باستمرار هذا السؤال: أي متحف؟ آيا صوفيا في حد ذاته هو أجمل متحف، وأفضل معلم تاريخي. لا يمكننا فهم سبب تحويل هذا المعلم التاريخي إلى متحف”.

رسالة إلى الغرب

جاء بعد ذلك قرار مجلس الوزراء. في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 1934، أصدر مجلس الوزراء مرسومًا يقول بأن تحويل آيا صوفيا إلى متحف سيجعل كل العالم الشرقي سعيدًا، وسيعطي معلما ثقافيا آخر للبشرية.

كانت هناك العديد من النظريات حول دوافع هذا القرار. قال البعض إن هذه الخطوة هي عبارة عن رسالة موجهة إلى الولايات المتحدة، وإلى الغرب بشكل عام، بأن النظام الجديد في تركيا علماني وسلمي. وأكد آخرون أنها كانت خطوة لتوطيد ما يُعرف بوفاق البلقان، الذي وقعته تركيا في ذلك العام مع اليونان ويوغوسلافيا ورومانيا.

في غضون ذلك، واصل ويتمور عمله حتى نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، وكشف عن الفسيفساء في كنيسة خورا في اسطنبول بعد إكمال مهمته في آيا صوفيا. توفي ويتمور في واشنطن سنة 1950 وهو في طريقه إلى وزارة الخارجية للقاء ألين دالاس، أول مدير مدني لوكالة المخابرات المركزية. زعم البعض أن ويتمور كان أيضا عميلا للمخابرات الأمريكية. كان ويتمو يحمل ألبومًا لصور فسيفساء آيا صوفيا عند وفاته.

ومهما كان السبب، فإن قرار تحويل مبنى بتلك الأهمية الدينية والاجتماعية في اسطنبول، والذي بقي مسجدا لأكثر من أربعة قرون، دون أي تدخل أجنبي، مثّل مفاجأة كبيرة وتسبب في صدمة قوية في الأوساط الدينية التركية. ولهذا السبب، لطالما كانت إعادة آيا صوفيا مسجدا، حلمًا يثير مشاعر المحافظين.

لمجرد أن أتاتورك رأى ذلك مناسبًا، تم تحويل أكبر مسجد في إسطنبول إلى متحف بين عشية وضحاها. لم يكن الشعب التركي قادرا على فعل أي شيء، وعجزت الصحف على تغيير القرار، بينما سخّرت الدولة كل قدراتها في تنفيذ الأمر.  

جدل مستمر

حتى بعد 86 سنة، لا يزال الجدل دائراََ حول القرار الذي اتخذ سنة 1934، وعلى الرغم من الأمر كان مأساويا، إلا أن آليات صنع القرار في تركيا لا تزال تعمل بالطريقة ذاتها، كما يتضح من الخطوة الأخيرة بتغيير وضع آيا صوفيا مرة أخرى.

لم يتخذ الرئيس أي خطوة بشأن آيا صوفيا لمدة عقدين، ولم يستجب للدعوات المتكررة بتحويله إلى مسجد، قائلا إنه يجب على الناس أولاً ملء المسجد المجاور، واعتبر أن مثل تلك الخطوة ستكون استفزازية.

ثم فجأة، أعطى الضوء الأخضر لعملية التحويل. وقد قرر مجلس الدولة بالإجماع إلغاء قرار مجلس الوزراء السابق، وحوّل آيا صوفيا إلى مسجد.

يعتقد البعض أن الهدف من تحويل آيا صوفيا هو صرف الانتباه عن المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها تركيا أو الحد من تراجع شعبية الرئيس. بينما يقول آخرون إن الهدف هو توجيه رسالة إلى الخارج.

عموما، يشبه وضع تركيا بعد سنة 1934، عندما تم تحويل آيا صوفيا إلى متحدف، وضعها الحالي بعد أن عاد مجددا إلى وضعه السابق كمسجد.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا