سياسة عدم الإحتدام بين روسيا وتركيا …إلى أين !!

سياسة عدم الإحتدام بين روسيا وتركيا ...إلى أين !!
سياسة عدم الإحتدام بين روسيا وتركيا ...إلى أين !!

سياسة عدم الإحتدام بين روسيا وتركيا …إلى أين !!

خاص ترك بوست

عبدالفتاح ابو طاحون

سياسة عدم الإحتدام بين روسيا وتركيا …إلى أين !!
لاشك أن الدولتين عاشتا تغييرين جذريين في إدارتهما وفي نفس التوقت تقريباً في العشرين سنة الماضية . فمع مجيء فلاديمير بوتين إلى السلطة في العام 2000 ، وكذلك مع مجيئ أردوقان إلى السلطة في تركيا في العام 2002 وظهور حزبين جديدين في كلتا الدولتين ، هما حزب (روسيا الموحدة) في روسيا وحزب (العدالة والتنمية ) في تركيا .
هذا التغيير الجذري في الدولتين بطبيعة الحال خلق تغييراً جذرياً في العلاقة الثنائية بين البلدين . لكن السياسة الواضحة والمعدَّة مسبقاً تجاه الآخر كانت عند الجانب التركي أكثر منها عند الجانب الروسي ، فقد اتسمت على مدار عشرين عاماً بالإنفتاح على الجانب الروسي وتعمدت آلية الطمأنة وكسب الود وفتح آفاق التعاون في شتى المجالات .
بالنسبة للجانب الروسي فلم تكن له سياسات لتحسين علاقات الجوار في محيطه ، فعلاقته مع أكرانيا القريبة عرقيا وثقافيا تسير من سيئٍ إلى أسوء ووصلت إلى حد المواجهة ، وكذلك علاقة روسيا مع جورجيا سيئة جداً ووصلت إلى حد المواجهة العسكرية ( الصراع في شمال القوقاز في العام 2008) .. وعلاقة روسيا بجمهوريات البلطيق أبعد من أن تكون مثالية . وعلاقتهم مع اسكندافيا والسويد دولتها الفتية كذلك تتخللها تفاصيل حادة ، وكذلك الأمر مع اليابان التي يوجد معها اختلاف جغرافي على جزيرة (سخالين) .. على العكس من الجانب التركي الذي رسخ استراتيجية ( صفر مشاكل ) مع كل الجوار ومع كل الأطراف المحتملين .. فبهذا يكون الفضل في إرساء العلاقة الوطيدة بين القطبين يرجع للجانب التركي .

مؤثرات طارئة على العلاقة بين روسيا وتركيا ..

أولاً : النشاط العسكري التركي الفعال وظهوره المفاجئ..
لا شك أن العلاقات تتأثر بما يطرأ عليها من مؤثرات .. ومن هذه المؤثرات ظهور النشاط العسكري التركي .. في السنة الماضية تحديداً بعد أن ظهرت لتركيا نشاطات عسكرية فعالة وحاسمة بدأت في عفرين في الشمال السوري ووصلت إلى طرابلس في غرب ليبيا مروراً بإدلب واستمرت في سنجار في شمال العراق ..
إذا ما سلمنا فرضياً أن الروس تخلو عن بشار مسبقاً في معركة إدلب مقابل إمتيازات ضمن فضاء المصالح القائمة بينهم وبين تركيا ـ يبقى صعب أن نتجاهل تفاجؤ الروس من حجم العملية العسكرية التركية وسرعتها وحجم نتائجها وفعاليتها . ولم يقف هذا التفاجؤ بعد نتائج إدلب ، فقد ظهر بشكل أكبر في المعارك الدفاعية في محيط طرابلس ، والذي رجح كفة حكومة الوفاق على الأرض وجعل المبادرة في أيديها ووضع قوات حفتر على المحك.. وهذه النشاطات العسكرية الفعالة والحاسمة سيما آلية استخدام الطيران الآلي الذي قلب الموازين .. ربما لم يكن يتوقع الروس أن تكون العملية العسكرية التركية في إدلب بهذه الضراوة بتأثيرها على القدرة العسكرية للنظام بخسارته ما يقرب من 130 آلية وقرابة الثلاثة آلاف عنصر في غضون أيام .. فإضعاف قدرة النظام السوري إلى هذا الحد ممكن أن يشكل عبء على روسيا ، وفي نفس الوقت يصعب تعويضه في ظل عجز أقتصادي للنظام .. وهذا الظهور العسكري التركي المفاجاً سيكون له بلا شك تأثيره على العلاقة الثناية لصالح الترك .
وعندما وجد الترك فرصة لتكرار عملية عسكرية ترسخ ظهورهم العسكري ـ والتي تمثلت في معارك الدفاع عن طرابلس جاءت النتائج وخيمة على التواجد الروسي في ليبيا . يما أن العملية العسكرية تضمنت استخدام الطائرات المسيرة التي واجهت بها السلاح الروسي المتمثل بمنصات الدفاع الجوية (بانتسر) . لا شك تاثرت سمعة هذا المنصات الدفاعية ، الأمر الذي بلا شك أثار حفيظة الروس .
ثانياً : العلاقات التعاونية والاستراتيجية بين تركيا وأوكرانيا ..
إنزعاج روسيا من أي علاقات لاكرانيا مع أقطاب جديين هو يرجع كون أكرانيا بالنسبة لروسيا هي دولة مزعجة ، بدون التطرق للبعد التاريخي بين روسيا وأكرايينا ـ فالحقب الأخيرة ما بعد سقوط الإتحاد السوفييتي واستقلال الدولتين مليئة بالأحداث والمؤثرات . ومن الملفات الشائكة بين البلدين يبقى ملف الغاز والطاقة . حيث سبق وكانت اتهامات روسية لأكرانيا بسرقة الغاز عبر الأنبوب الذي يمر في اراضيها إلى أوروبا ..
وما إلى ذلك فقد مالت أكرانيا إلى جانب خصوم روسيا في منطقة القوقاز ، سيما مع الثوار الشيشانيين في فترة التسعينات . وكذلك العلاقات الوطيدة لأكرانيا مع جورجيا سميا في أثناء الحرب الجورجية الروسية في 2008 ووقوفها إلى جانبها ..
فتعزيز تركيا لعلاقة مع أكرانيا سيما في مجال الدفاع والتصنيع يثير حساسية روسيا خصوصاً في ظل الصراع الروسي الأكراني القائم .. وأكثر ما يزعج روسيا هو تزويد تركيا لأوكرانيا بالطائرات المسيرة والتعاون العسكري بشكل عام .. والجدير ذكره أن أوكرانيا تملك الكثير ما تقدمه لتركيا من خبرات في مجالات خاصة كالصناعات الجوية الاستراتيجية وقدرات أخرى من البنية التحتية الصناعية من تركة العهد السوفييتي .
ومن الناحية الجيواستراتيجية تعتبر أوكرانيا المنطقة البرية المتواجدة في خاصرة روسيا من الجهة الغربية ، وهي منطقة ذات أهمية كبرى لروسيا ولكونها تجاورها على البحر الأسود المنفذ البحري الأهم لروسيا إلى المياه الدولية المفتوحة .. هذا وفي حالة ظهور أي تغير على الوضع القانوني للمضائق (البسفور والدردنيل)على الأغلب ستكون أوكرانيا إلى جانب تركيا (سيما في ظل العداء بينها وبين روسيا وفي ظل عدم اعتراف تركيا بشرعية ضم شبه جزيرة القرم من قِبل روسيا )
والتعاون الإقتصادي بين تركيا وأكرانيا يسمح ويوفرلتركيا التأثير في إقتصاد اكرانيا واحتوائه ،وبضبيعة الحال يزيد من قوة تركيا الإقتصادية .. وفي ظل تراجع روسيا كدولة محور وقطب على عدة مستويات منها السياسي الإقتصادي وحتى الجيوثقافي كوريثة لمركزية العالمين الأرثوذكسي والصلافي ـ يزيد التخوف من تسلل تركي إلى فضاء المنطقة شمال البحر الأسود والتي تشمل إلى جانب أكرانيا كذلك بيلاروسيا ومولدافيا ، وإمكانية إصطياد إقتصاداتها من قِبل تركيا التي تروج وتقدم نفسها وإقتصادها كدولة مركز .. سيما في ظل الفراغ الذي حدث بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي في تلك المنطقة المهمة وإهمال روسيا له ، ولم تنشط أوروبا الغربية لملئه ، كل هذا يزيد من حساسية روسيا تجاه تطور العلاقات بين تركيا وأوكرانيا وأبعادها المستقبلية .

عدم الإحتدام كرغبة متبادلة عند الطرفين ..

كانت أيام وأحداث ساخنة بين الروس والترك بداية من العام 2015 جاءت في إثر إغتيال السفير الروسي في أنقرة ، وبعدها إسقاط القاذفة الروسية في العام 2016 فوق الأراضي التركية التي إجتازت الحدود التركية ـ لكن رغم ذلك لم تكن لتخيم أجواء تصعيد بإتجاه المواجهة العسكرية . انتهى الأمر في كلتا الحالتين بموجات تصعيد دبلوماسي ، وتلويح روسي بفرض عقوبات إقتصادية على تركيا ، ثم مالبثت أن عادت العلاقات الثنائية أفضل مما كانت عليه .واستطاعت الدبلوماسية التركية إمتصاص غضب الجانب الروسي عبر عدة آليات منها التلويح بالإهتمام بشراء الأسلحة الروسية على سبيل المثال ( منظومة إس 400 ، والمقاتلة الروسية الأخيرة ) وتكللت عملية التوازن في العلاقة بإتفاقية أنبوب الغاز الروسي عبر الجغرافيا التركية .
ولكن تبقى نية عدم الإحدام مع الترك عند الروس خياراً استراتيجياً لعدة أسباب ، منها أن روسيا في الحروب التقليدية ضعيفة ، واستراتيجية الدفاع عن النفس تعتمد على قوة الردع الشامل وامكانياتها النووية التي يصعب ترشيحها كخيار في أي مواجهة ، أما على مستوى الحروب التقليدية فتاريخها يقول أنها تجد صعوبة كقوة عظمى في الحروب التقليدية غير الموسعة كما حدث في الحروب الشيشانية في حقبة التسعينات، فتطلب الأمر سنوات من الاستنزاف في الأرواح والخسائر المادية والتراجعات السياسية . ونفس الأمر بذات المقياس الحرب في أكرانيا تطلبت الكثير من الوقت والتوظيف السياسي . وبنفس المنطق في الحرب السورية يحاول النظام الروسي قدر الإمكان ان لا يخوض حروب برية على الأرض ، وذلك لكلفة التدخل المباشر سياسياً وعسكرياً ، ويجد في الشركات غير الرسمية على غرار (الفاقنير) آلية أسهل من الجنود النظاميين ـ لسهولة التملص منها دبلوماسياً وسياسيا في كل الأحوال والمآلات. ومن جهة أخرى الجبهات المحتملة مع الجانب التركي في سوريا وفي ليبيا بعيدة جداً عن الجغرافيا الروسية وخطوط الإمداد أنسبها يمر عبر الجغرافيا التركية في الدردنيل والبسفور ، وخيارات الطرق الأخرى بعيدة جداً . وما إلى ذلك المواجهة أو الإحتدام مع تركيا يتطلب تنسيق مع الناتو أو مواجهته ، وربما موافقته والتنسيق معه تضع روسيا أمام الإبتزاز الغربي المباشرـ الذي سيكون بلا شك باهظ الثمن . كل هذا يجعل المواجهة مع تركيا خيار بعيد لروسيا وثقيل وصعب ويتطلب ظروف إستثنائية ..
أما بالنسبة للجانب التركي فسياسة عدم الإحتدام هي سياسة أصيلة وراسخة في استراتيجية حزب العدالة والتنمية الحاكم ، ليس فقط مع الجانب الروسي ولكن كذلك بشكل عام . وقد اثبتت تجربة الحزب قدرتها على الإحتفاظ بهذه السياسة ـ هذا من جهة أولى ، و من جهة ثانية منذ مجيء الحزب إلى سدة الحكم في بداية العقد الماضي جتى حدوث الإنقلاب وفشله في العام 2016 كانت الفجوة كبيرة بين قيادات الجيش وقيادات الحزب ولم تكن ثمة ثقة تجعل الجيش تابع للإدارة السياسية . كل هذا وضع القيادة السياسة أمام حتمية تفادي الدخول في أي نشاطات عسكرية ، وقد تفادت حتى التلويح بعمل عسكري في ضرورة مُلحة مثل ما حدث في العام 2010إبان الهجوم على سفينة (مافي مرمرة ) التركية من قبل البحرية الإسرائيلية . أما بعد العام 2016 ومع فشل الإنقلاب والتغيير الكبير الذي حدث في صفوف قيادات الجيش ظهرت الثقة بين الإدارة السياسية وقيادات الجيش التي تؤهل لنشاط عسكري وفق رؤية الإدارة السياسية .
وبالنسبة للسياسة التركية تجاه الجانب الروسي من زاوية ألية عدم الإحتدام فالواضح من المعطيات الموجودة أن تركيا تبذل قصارى جهدها لتبعد شبه الإحتدام مع الجانب الروسي، وتحاول ألا يستغل الغرب ثغرات في العلاقة تسمح له بإبتزاز تركيا . فالمُشَاهَد أن تركيا لا تنصاع لقرارات العقوبات الغربية على روسيا ، وتحاول أن لا تكون أداة الناتو العسكرية في محيط روسيا سيما في منطقة البحر الأسود التي تشاطئ روسيا فيها وتتطلب نشاط عسكري بحري منافس . ومن جهة ثالثة تركيا مشغولة في ترتيب عمقها الجيوسياسي القريب ما بين البلقان والقوقاز الجنوبي وحدودها الجنوبية في المنطقة العربية ، وتعطي أولوية قصوى لترتيب أوضاع مصادر الطاقة القريبة والأسواق والشراكات الإقتصادية وبناء البنية التحتية الضرورية لمقامها الصاعد كدولة مركز وقوة إقتصادية عظمى ..

خلاصة:

بناء على قراءة المعطيات والأوضاع القائمة بين الجانبين الروسي والتركي ربما تبقى هذه السياسة المؤسسة على آلية عدم الإحتدام لسنوات قادمة وتسير في ظلال صعود قطب وتراجع آخر ـ دون أن تكون لها نهاية حادة تغيرها جذرياً وتسير بها إلى مواجهة . فالطرف الروسي يُدرك أنه يسير من ضعف إلى ضعف سيما في الوضع الديمقرافي ، فأكبر مهددات روسيا هي مشكلة شيخوخة وتناقص السكان ، وكذلك مشكلة التراجع الصناعي وتحول إقتصادها إلى إقتصاد موارد ومواد خام كلياً . والأهم أن الحقب الجديدة في نوعية الأسلحة تغير بسبب التقدم التكنولوجي ، فروسيا ضعيفة في هذا المجال ، والسلاح التقليدي ربما قريباً سيفقد فعاليته أما الأجيال الجديدة من الأسلحة المتطورة .
أما الجانب التركي فكذلك يُدرك أن العلاقة المتميزة مع روسيا تتيح له فرصة أكبر وأفضل في مواجهة قوى أخرى سيما في داخل الناتو نفسه ..

 

المصدر: ترك بوست

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا