وساطة الناتو بين تركيا واليونان

وساطة الناتو بين تركيا واليونان
وساطة الناتو بين تركيا واليونان

وساطة الناتو بين تركيا واليونان

ترك بوست

الكاتب: اسماعيل ياشا

وساطة الناتو بين تركيا واليونان

أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، ينس ستولتنبرغ، قبل أسبوع، توصل تركيا واليونان إلى اتفاق على البدء في محادثات فنية تحت مظلة الناتو، لتخفيف التوتر في شرق المتوسط، والحيلولة دون انزلاق التصعيد نحو حرب شاملة بين البلدين العضوين في الحلف، إلا أن أثينا سرعان ما نفت موافقتها على إجراء مثل هذه المحادثات.

أنقرة رحبت بتصريحات ستولتنبرغ، وأعربت عن استعدادها للحوار من أجل حل المشكلة. وبهذا الترحيب، اصطادت تركيا عصفورين بحجر واحد: الأول، أنها أثببت أمام العالم أن تركيا هي الجانب الذي يفضِّل لغة الحوار والمفاوضات، وأن اليونان هي التي تعاند وتكابر وتصب الزيت على النار. والثاني، أنها نجحت في استمالة موقف الناتو من الأزمة إلى تأييد موقفها، أو على الأقل إلى منعه من الانحياز للموقف اليوناني.

تركيا في ملف شرق المتوسط تراهن بالدرجة الأولى على شرعية موقفها في الدفاع عن حقوقها في البحر الأبيض، بالإضافة إلى قوتها العسكرية، واستعدادها للمواجهة، إلا أن ذلك لا يمنعها من بذل الجهود الدبلوماسية والبحث عن حل سلمي يرضي الجميع، ومن استغلال الخلافات بين القوى العظمى والدول الأوروبية وأعضاء حلف الناتو لتعزيز موقفها، وإفشال المحاولات الهادفة إلى تشكيل جبهة عريضة ضدها.

لا يمكن الحديث عن إجماع أو موقف موحد في الاتحاد الأوروبي، ولا في حلف الناتو، من ملف شرق المتوسط. وعلى الرغم من سعي أثينا إلى إقناع أعضاء الاثنين بضرورة الوقوف إلى جانبها، فإن هناك دولا كثيرة لا تتفق مع الرؤية اليونانية غير القانونية، بل وتدرك أيضا أن الانحياز لأثينا سيؤدي إلى خسارة صداقة أنقرة، وأن تسخين مياه البحر الأبيض سيعرِّض دول أوروبا وحلف الناتو للمخاطر.

فرنسا تحرِّض اليونان على مواجهة تركيا، لتستفيد من هذا التحريض في صفقات السلاح وبيع أسلحتها إلى اليونان، كما تسعى إلى تعزيز حضورها في التنافس بالمنطقة، على الرغم من أنها ليست من دول شرق المتوسط ولا من الدول الثلاث الضامنة للسلام في جزيرة قبرص. وبعبارة أخرى، هي ليست طرفا للأزمة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، سبق أن انتقد حلف شمالي الأطلسي، وقال في مقابلة نشرتها مجلة إيكونوميست في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، إن الحلف يعيش في حلة “موت دماغي”، داعيا إلى تعزيز قدرات أوروبا الدفاعية. وكان رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان قد رد آنذاك على هذه التصريحات، ودعا الرئيس الفرنسي إلى فحص “حالة الموت الدماغي لديه” قبل أن يتحدث عن “موت دماغ الناتو”. كما أعربت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن رفضها لتصريحات ماكرون التي وصفت المصطلحات المستخدمة فيها بــ”المتطرفة”، فيما أكد ستولتنبرغ أن الحلف ما زال قويا.

المواقف التي نراها اليوم هي امتداد ذات المواقف التي رأيناها قبل حوالي سنة. وما زال ماكرون يواصل هجومه على حلف شمالي الأطلسي، كما تواصل تركيا انحيازها للحلف الذي يسعى إلى الحفاظ على وحدته وتماسكه. إلا أن الرئيس الفرنسي يستخدم هذه المرة اليونان كــ”معول”.

الناتو لا يريد صراعا داخليا، ولا حربا بين أعضائه، ويواصل جهوده لتخفيف التوتر وإيجاد حل للأزمة. وفي هذا الإطار، استقبل وزير الدفاع التركي خلوصي آكار، الاثنين، رئيس اللجنة العسكرية في حلف الناتو، الجنرال ستيوارت بيتش، وبحث معه آخر التطورات في شرق المتوسط، ومبادرة ستولتنبرغ، مؤكدا أن تركيا تولي أهمية للقانون الدولي والحوار وحسن الجوار في حل المشاكل، وتدعو الدول الأخرى إلى تغليب العقل.

اليونان ترفض مبادرة الأمين العام لحلف الناتو، وتشترط للبدء في أي مباحثات مع تركيا انسحاب السفن التركية من المنطقة التي تدَّعي بأنها داخل حدودها الاقتصادية في البحر الأبيض. ولكن هذا الشرط المسبق لا يمكن أن تقبله أنقرة، لأنه يعني الاعتراف بالمزاعم اليونانية. وإن اعترفت تركيا بتلك المزاعم فعلى أي شيء سيتم التفاوض؟ كما أن لدى أنقرة تجربة غير مشجعة في إبداء حسن النية لليونان، حيث أعلنت في نهاية تموز/ يوليو الماضي تعليق أعمال التنقيب لإفصاح المجال للجهود الدبلوماسية التي أطلقتها ميركل، إلا أن أثينا استغلت الفرصة، فسارعت لتوقيع اتفاق غير قانوني مع القاهرة لرسم الحدود البحرية بين اليونان ومصر.

أزمة شرق المتوسط اختبار لحلف شمالي الأطلسي، وإن فشل الحلف في هذا الاختبار، واستسلم لتصرفات اليونان المدلعة وتصريحات ماكرون المحرِّضة، ولم يضع لها حدا، فإن هذا الفشل قد يوجه للحلف ضربة موجعة غير مسبوقة في تاريخه، حتى وإن لم يؤد إلى انهياره.

 

المصدر: عربي21

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا