“خط حديد الحجاز”.. 112 عاما على مشروع السلطان عبد الحميد

"خط حديد الحجاز".. 112 عاما على مشروع السلطان عبد الحميد

“خط حديد الحجاز”.. 112 عاما على مشروع السلطان عبد الحميد

ترك بوست

“خط حديد الحجاز”.. 112 عاما على مشروع السلطان عبد الحميد

في مثل هذا اليوم (1 سبتمبر/أيلول)، قبل 112 عاما، شهدت الدولة العثمانية افتتاح الخط الحديدي الحجازي، الذي شيد بين دمشق والمدينة المنورة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني.

ووفقا للمعلومات التي جمعها مراسل الأناضول، فإن فكرة إنشاء الخط الحديدي الحجازي، بدأت تطرح بشكل جاد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

ووفق المصادر التاريخية، فإن عملية تنفيذ المقترحات والمشاريع التي أعدت لفترة طويلة لم تبصر النور بسبب ارتفاع النفقات، وقد جاء الاقتراح الأكثر شمولاً لإنشاء الخط الحديدي الحجازي من قبل مدير أوقاف مدينة جدّة أحمد عزت أفندي عام 1891.

وذكر عزت أفندي، في تقرير رفعه إلى عاصمة الدولة العثمانية الأستانة (إسطنبول)، أن إنشاء خط سكك حديدية يربط بين دمشق والمدينة المنورة، من شأنه أن يوفر حماية لمنطقة الحجاز ضد الهجمات الأجنبية، ويخلق وسيلة مهمة للدفاع عن المنطقة ومواجهة أي عصيان في الداخل.

بعد دراسة الاقتراح والعمل عليه، أمر السلطان عبد الحميد الثاني في إرادة همايونية (سلطانية) نشرها في 2 مايو/أيار 1900، بالبدء في أعمال بناء الخط الحديدي الحجازي، الذي احتفل رسميا في بدء العمل ببناءه في 1 سبتمبر/ أيلول 1900.

وبحسب المرحلة الأولى من خطة الإنشاء، عملت الدولة العثمانية على الربط بين مدينتي دمشق الشام والمدينة المنورة، بواسطة الخط الحديدي الحجازي، الذي كان من المقرر أن يصل في المراحل اللاحقة إلى مكة المكرمة، والعقبة وجدة ثم إلى اليمن السعيد.

** تقليص رحلة الحج من 50 يوما إلى 5 أيام

كانت لبناء الخط الحديدي الحجازي أسباب عسكرية وسياسية ودينية، إذ أن الخط كان سيعمل على تسريع وصول القوات العسكرية العثمانية إلى المنطقة، للدفاع عنها ضد أي هجمات خارجية أو انتفاضات داخلية محتملة، والمساعدة في تعزيز السلطة السياسية في المنطقة.

كما أن بناء الخط الحديدي الحجازي كان سيقلل حاجة الدولة العثمانية لاستخدام قناة السويس وسيسهل أداء فريضة الحج والعمرة ويقلل فترة الرحلة إلى الأراضي المقدسة من 50 يوما إلى 5 أيام، ويقلل من خطورتها بسبب هجمات البدو.

بالإضافة إلى ذلك، سيعمل الخط الحديدي الحجازي على خفض تكاليف سفر الحجاج، وسيؤدي هذا الوضع إلى زيادة عدد الحجاج في السنوات اللاحقة لإنجاز الخط، كما سيعزز المشروع ثقة العالم الإسلامي بالسلطنة العثمانية.

ومع افتتاح الخط الحديدي الحجازي، كان من المتوقع أن تتطور الأنشطة التجارية، ويتسارع التوسع الحضري ذو الحيوية الاقتصادية.

وعقب نشر السلطان عبد الحميد إرادته السلطانية ببدء أعمال بناء الخط الحديدي الحجازي، تم الانتهاء من جميع الاستعدادات الإدارية والمالية والفنية، حيث جرى تشكيل لجنة لقيادة أعمال تنظيم مد السكك الحديدية، التي حددت التكلفة التقديرية للخط الحديدي الحجازي بـ 4 ملايين ليرة عثمانية، وكانت هذه التكلفة ضخمة بالنسبة للاقتصاد العثماني الذي كان يمر بأوقات عصيبة آنذاك.

** المسلمون حول العالم يبادرون بجمع التبرعات

تقرر حل المشكلة المالية بفتح باب جمع التبرعات من المسلمين حول العالم، من أجل تنفيذ مثل هذا المشروع الباهظ التكلفة، وأخذ قرض من بنك الزراعة العثماني لسد الحاجة الماسة للمال من أجل الشروع بأعمال البناء.

ومن خلال الممثليات الدبلوماسية في الخارج، دعم العديد من المسؤولين ورجال الأعمال في الدول الإسلامية حملة التبرع، وجاء التبرع الأول من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بمبلغ 50 ألف ليرة عثمانية، فضلًا عن التبرعات التي قدمتها الشعوب والجاليات المسلمة حول العالم.

وكانت هذه المشاركة الواسعة تأكيد على تبني المسلمين حول العالم لمشروع الخط الحديدي الحجازي.

وبتوصية من أحمد عزت أفندي، تم منح ميداليات فضّية ترمز للخط الحديدي الحجازي للمتبرعين، ولعبت هذه الميداليات دورًا مهمًا في توجيه الناس للتبرع.

كما جرى فرض ضرائب مختلفة ومنح امتيازات تشغيل بعض المناجم لهيئة الخط الحديدي الحجازي، ما وفر إيرادات مالية أكثر فعالية لأعمال البناء التي استمرت ما بين أعوام 1900-1908.

** السلطان عبد الحميد الثاني يفتتح الخط الحديدي الحجازي

في عام 1901، تم تكليف المهندس الألماني السير ميسنر، بإدارة الأعمال الفنية للسكك الحديدية، وعمل معه ما مجموعه 43 مهندسا، 17 منهم من الدولة العثمانية.

ومع تقدم أعمال البناء، انخفض عدد المهندسين الأوروبيين، بينما ازداد عدد المهندسين العثمانيين، بفضل الخبرات التي اكتسبها أولئك المهندسين في أعمال بناء الخطوط الحديدية، فيما تم تنفيذ مد خطوط السكك الحديدية في الأراضي المقدسة بالكامل من قبل مهندسين مسلمين.

تم الربط ما بين مدينتي دمشق وعمان بواسطة الخط الحديدي الحجازي عام 1903، ووصلت خطوط السكك الحديدية مدينة معان عام 1904، كما جرى مد خط سكك حديدية من معان إلى البحر الأحمر عن طريق مد خط فرعي إلى خليج العقبة.

ومع وصول خط السكك الحديدية إلى البحر الأحمر، تزايدت القوة الدفاعية للدولة العثمانية في المنطقة، من خلال تسهيل وصول القوات العسكرية إليها.

تم الانتهاء من بناء سكة حديد حيفا عام 1905 وتم ربطها مع مدينة درعا، وهكذا وصل الخط الحديدي الحجازي إلى شواطئ البحر المتوسط أيضًا، وفي نفس العام وصل الخط الحديدي الحجازي إلى المدورة، وبعد ذلك بعام إلى مدائن صالح.

تم تنفيذ أعمال البناء بالكامل بعد هذه النقطة من قبل مهندسين وفنيين وعمال مسلمين، ووصل الخط الحديدي الحجازي إلى العلا عام 1907 والمدينة المنورة عام 1908.

وجرى افتتاح الخط الحديدي الحجازي، الذي بلغ طوله 1464 كيلومترًا مع فرع حيفا، من قبل السلطان عبد الحميد الثاني شخصيًا، في حفل أقيم يوم 1 سبتمبر/أيلول 1908.

وفي عام 1909، جرى تنظيم رحلات يومية بين حيفا ودمشق، و ثلاثة رحلات أسبوعيا بين دمشق والمدينة المنورة، تم من خلالها نقل الركاب والبضائع التجارية، كما جرى تنظيم رحلات إضافية لنقل مواد البناء والإمدادات العسكرية والحجاج.

ووفر وجود عدد كبير من المحطات الكبيرة والصغيرة على امتداد الخط الحديدي الحجازي، الراحة للركاب، كما عملت إدارة الخط الحديدي الحجازي على توفير جميع الآلات والمستلزمات الهامة لإدارة وصيانة الخط، مثل القاطرات والعربات الفولاذية، التي جرى استيرادها من ألمانيا وبلجيكا والولايات المتحدة. كما تم بناء بعض عربات الركاب في معمل “ترسانه عامرة” في إسطنبول.

تم الانتهاء من بناء الخط الحديدي الحجازي في فترة وجيزة، رغم العديد من الصعوبات الطبيعية الناجمة عن الحرارة الشديدة والجفاف ونقص المياه وصعوبة التضاريس، وغارات البدو.

** إضافة خطوط فرعية بطول 1750 كيلومترا

وما أن أطل عام 1917، حتى استطاعت إدارة الخط الحديدي الحجازي مد خطوط سكك حديدية بين عكا – بلد الشيخ (17 كيلومترًا)، وعفولة – لود (100 كيلومتر)، وادي العسر – العوجة (155 كيلومترًا)، والتين – بيت الحانوم (39 كيلومترًا)، وخطوط فرعية أخرى ما بين منطقة القدم الشريف إلى دمشق بلغ مجموعها الكلي 1750 كيلومترًا.

ولم يتم إنشاء خط المدينة المنورة – مكة المكرمة – جدة، بسبب معارضة شريف مكة الحسين بن علي وشيوخ البدو، وبعد تعرض الخط الحديدي الحجازي لعمليات تفجير خلال الحرب العالمية الأولى، نقلت مسؤولية تشغيلها من إدارة أوقاف الحجاز إلى السلطات العسكرية.

وبعد تحالف شريف مكّة الحسين بن علي مع البريطانيين خلال الحرب العالمية الأولى، ومن ثم خروج الحامية العثمانية من المدينة المنورة في يناير/ كانون الثاني 1919، انتهت سيطرة الدولة العثمانية على الخط الحديدي الحجازي.

وبعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، تم تقسيم الخط الحديدي الحجازي إلى 4 أقسام، فأصبح خط حيفا في فلسطين، وخط المدورة – المدينة المنورة في مملكة الحجاز الهاشمية، وبعد ذلك في السعودية، وخط دمشق – درعا في سوريا، وخط درعا- مدوّرة في الأردن.

سيطر على الخطوط في سوريا والأردن وفلسطين حكومات تتبع للانتداب البريطاني والفرنسي. وفي عام 1948، شكلت السعودية لجنة لمناقشة إعادة بناء الخط الحديدية الحجازي، مع كل من الأردن وسوريا. ومع ذلك، أدى الصراع العربي الإسرائيلي إلى توقف خط درعا – حيفا تمامًا وخروجه عن الخدمة.

وقامت الحكومة البريطانية بإصلاحات في الخط الحديدية الحجازي لإرضاء العرب، لكن تلك الإصلاحات لم تحدث بسبب حرب عام 1967 بين العرب وإسرائيل.

وفي الأجزاء المتبقية من الخط الحديدي الحجازي في سوريا والأردن، تم تشغيل بعض الخطوط لنقل الركاب والبضائع.

فيما لم يتم تشغيل الخط الحديدي الحجازي في السعودية، وظلت محطاتها في حالة سيئة.

** العديد من المسلمين من روسيا إلى المغرب كانوا يستخدمون هذا الخط

رئيس الهيئة التدريسية في قسم التاريخ بكلية الآداب في جامعة السلطان محمد الفاتح، الأستاذ الدكتور زكريا قورشون، قال إنه في الفترة التي كانت فيها الإمبراطورية العثمانية تعاني من أزمات حادة، كانت هناك حاجة أيضًا لمشاريع من شأنها تعزيز قوة الدولة وضمان وحدتها.

وأضاف قورشون، أنه كانت الحاجة لمشروع يعزز من وحدة الولايات ذات الغالبية العربية في الدولة العثمانية، لذلك، عندما جاء مدير أوقاف جدّة أحمد عزت أفندي، بفكرة بناء الخط الحديدي الحجازي للربط بين دمشق والمدينة المنورة، تم قبوله على الفور وبدأ العمل على تنفيذه.

ولفت إلى أن دستور عام 1876 للدولة العثمانية، عرَّف السلطان عبد الحميد الثاني ومن أعقبه من سلاطين الدولة العثمانية، بأنهم سلاطين الرعايا الذين يعيشون في الدولة العثمانية (ككيان سياسي) وخليفة جميع المسلمين، لذلك، كان من بين واجبات السلطان ضمان سفر آلاف المسلمين الذين يذهبون للحج كل عام بشكل مريح وآمن.

وأشار قورشون إلى أن أسبابا سياسية وعسكرية واقتصادية أخرى وقفت وراء دعم هذا المشروع، الذي وفر للمسلمين وصولاً سهلاً إلى الأراضي المقدسة، لأداء فريضة الحج والعمرة.

وذكر أن “اتحاد الأمة الإسلامية”، كانت من أهم أهداف السلطان عبد الحميد الثاني السياسية، وقد قام السلطان بتكييف فكرة الاتحاد الإسلامي، التي ورثها السلطان عن أجداده، مع الظروف الموضوعية في عصره، وحوّلها إلى غاية تضمن التكامل والتضامن والتعاون بين المسلمين داخل الدولة وخارجها.

وأوضح قورشون أن الكثير من المسلمين من روسيا إلى المغرب استفادوا من الخط الحديدي الحجازي، ولم تكن الاستفادة منه حكرا على رعايا الدولة العثمانية، وعبر هذا الخط، تم نقل العديد من الحجاج الفقراء من روسيا وإيران وأفغانستان والأناضول إلى الأراضي المقدسة مجانًا.

وأكد أن الخط الحديدي الحجازي ضمن المزيد من التضامن بين المسلمين ونشر السلام وتدعيم صورة الدولة العثمانية، ودفع القوى الغربية لإجراء الأبحاث والاجتماعات حول الإجراءات التي اتخذتها الدولة العثمانية لإنجاز هذا المشروع بفترة قياسية.

وختم قورشون بالقول: بالإضافة إلى فوائده الدينية، مكّن الخط الحديدي الحجازي من إحياء الاقتصاد من دمشق إلى المدينة المنورة، وحتى في شبه الجزيرة العربية، كما سمح باستمرار الوجود العثماني في المدينة المنورة حتى عام 1918، وقلل خسائر الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى.

 

المصدر: الاناضول

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا