في ظل النزاع في شرق المتوسط .. الناتو وشبح الإنقسام على الذات

في ظل النزاع في شرق المتوسط .. الناتو وشبح الإنقسام على الذات
في ظل النزاع في شرق المتوسط .. الناتو وشبح الإنقسام على الذات

في ظل النزاع في شرق المتوسط .. الناتو وشبح الإنقسام على الذات

خاص ترك بوست
عبد الفتاح ابو طاحون – باحث في الشأن التركي

الفراغ الذي أحدثه سقوط الشيوعية وسقوط دولها الفتية وحلفها المنافس للناتو (حلف وارسو) أدى إلى ظهور عدة متغيرات.
وسيما بعد إنشغال الناتو بتوسيع فضائه في شرق أوروبا وفي الفضاء الذي تركه حلف وارسو، وشروف مرحلة التوسع على الإنتهاء بدأت مرحلة التغير في طبيعة حلف الناتو نفسها.
ففي مرحلة الحرب الباردة كانت تركيا تحظى بعلاقات مميزة مع الغرب كونها تحد الإتحاد السوفييتي برأ وبحراً، ومحاطة بعدة من دول المعسكر الشرقي، فكانت للغرب بمثابة المنصة الجغرافية المتقدمة في جغرافيا الصراع بما يعادل المنصة الجيوعسكرية التي مثلتها جزيرة كوبا بالنسبة للإتحاد السوفييتي، والتي بسببها كانت أزمة الصواريخ في فترة الستينات.
وطوال فترة الحرب الباردة كانت الحدود التركية مع جيرانها المنتمين لحلف وارسو أو حتى التابعين لحلف وارسو كانت في حقيقة الأمر أشبه بالحدود ما بين الناتو وحلف وارسو أكثر منها حدود بين دول متجاورة وشعوب متجاورة.
اليوم تركيا لم تعد تحظى بالعلاقات المميزة بل بالعكس بات الغرب والإتحاد الأوروبي يضيق ذرعاً بها وبتطلعاتها التي تحمل ملامح ندية وملامح مشروع دولة مركزية.
طوال فترة العداء مع الشيوعية ودولها كانت العداءات والإختلافات في داخل الناتو مستترة ومهمشة.
اليوم مع هذا الفراغ بدأت تطل انعكاسات لعداءات ومشاحنات داخل الناتو سريعة ومتسارعة وساخنة.
فتركيا تبني وتربط علاقات مع دول داخل حلف الناتو من الفئة التي تعاني من تهميش اقتصادي أوروبي.
فمشروع تركيا النهضوي حتى وهو يثير حفيظة كثير من الدول الغربية فهو كذلك في نفس الوقت يسيل لعاب دول غيرها في داخل الفضاء الأوروبي للشراكة والتقارب.
فليست العلاقات مع الدول في داخل فضاء الإتحاد الاوروبي مماثلة، ثمة دول تعاني من التهميش الغربي وتتطلع إلى شراكة فعالة ومفيدة كاللتي باتت تركيا تقدمها وتسوقها، مع دول مثل أكرانيا وبيلاروسيا ومولدوفيا وجمهوريات البلطيق، حتى مع جمهوريات في داخل البلقان، وحتى مع دول في الغرب نفسه مثل دول أسكندنافيا..
فليست بالضرورة أن تكون علاقات تركيا ببقية الدول الاوروبية علاقات عدائية ومتنافرة على غرار العلاقات مع فرنسا أو هولندا والنمسا اللواتي باتت تتاثر بتأثير اليمين المتطرف والذي بدا يسيطر على إداراتها.
وبالإضافة إلى نشاطات التعاون الإقتصادي والشراكات ثمة عدة نشاطات لتركيا باتت تزعج دول غربية وتثير حفيظتها بشكل مباشر .
عندما تحولت المشاحنات الأرمنية ـ الأذربيجانية في داخل فضاء الإتحاد السوفييتي السابق في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، حيث كانت أذربيجان وأرمينيا جمهوريتين من ضمن جمهوريات الإتحاد السوفييتي عندما تحولت إلى مواجهة عسكرية كانت أهم أسباب تفكك الإتحاد السوفييتي، إذ بدا عاجزاً عن تفادي مواجهة عسكرية بين جيشين من جيوشه في داخل جغرافيته وانهار وتفكك في العام التالي. واليوم مع بروز مشاحنات بين تركيا وفرنسا وبين تركيا واليونان من جهة أخرى مع وجود قوى اخرى مثل أسرائيل تؤجج الصراع وتنفخ في بؤرة النار باتت منظومة الناتو أمام خطر تهديد التصدع الذي عانى منه الاتحاد السوفييتي سابقاً ..
وينذر التمدد التركي في المتوسط بمشاحنات أكثر بين القوى المتوسطية سيما مع اليونان.
وذلك لشعور اليونان بعجزها على تمويل تطوير لقوتها البحرية العسكرية في مقابل التطور التركي القوي والمتسارع عسكرياً وسياسياً ..
ويمكن تفهم التحسس اليوناني من التمدد التركي بإمكانية تطلع الأتراك إلى التواجد في جزر يونانية غير مأهولة بالسكان غالبيتها يقع في داخل المياه التركية عبر ضغوط اقتصادية وسياسية في ظل عجزها الإقتصادي يضعها أمام تحجيم جيوسياسي ..
ولعل الاسباب في تمسك الأتراك على موقفهم واستعدادهم العسكري لأي طارئ ـ هو أن الإدارة التركية تُدرك أن قيادة الناتو لن تُغامر بسهولة في السماح لإقتتال في داخل فضاء الناتو وبين أعضائه في الوقت الذي تجد روسيا عن يسارها مرتاحة لهذا الاقتتال الذي ممكن أن يؤدي إلى تصدع منظومة الناتو سيما أن الإقتتال ممكن أن يحمل صبغة طائفية أو دينية بين تركيا المسلمة وفرنسا المسيحية.
وفي نفس الوقت تجد قيادة الناتو (الأوروبية) عن يسارها الأمريكان الذين ممكن أن يستغلوا النزاع في داخل فضاء الناتو لصالحهم ومن ثم تتعرض أوروبا للابتزاز الأمريكي ..
يبقى أمام قيادة الناتو خياران أساسيان وخيار ثانوي ..

الأساسيان أن تسمح للإقتتال ويحصل ما لا يُحمد عقباه فالكفة العسكرية تميل لصالح تركيا أمام فرنسا واليونان، وحتى ولو تم كسر عظام تركيا عسكريا فعلى الأغلب ستكون تركيا تمكنت من إلحاق اذىً عسكرياً كبيراً بفرنسا وباليونان وبمن يدخل على الخط إلى جانبهما، فتركيا ليست بالدولة الضعيفة فهي أقوى وأكبر قوة عسكرياً في حلف الناتو في داخل أوروبا والقوة الثانية في الحلف بعد الولايات المتحدة ..
والخيار الثاني أمام قيادة الناتو هو أن تتفادى الاقتتال وتنقذ المنظومة من التصدع ــ بالإنصياع لمطالب تركيا المشروعة في حقها في تملك مواردها ضمن حدودها القانونية.
أما الخيار الثانوي أمام الجميع أن تحصل معارك محدودة تؤدي إلى حالة سياسية رمادية، ما تسمى لا حرب ولا سلم ويحال ملف تنقيب الغاز إلى جانب ملف فض النزاع إلى طاولة مفاوضات أوروبية داخلية يتم فيها تمييع القضية وتضييع الوقت لمنع تركيا من الإستمرار في التنقيب والإستفادة من مواردها ..

المصدر: ترك بوست

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا