تركيا .. اللعب مع الكبار

الطائرة المسيرة
الطائرة المسيرة

تركيا .. اللعب مع الكبار

خاص – ترك بوست

د. نصر الغريري–  باحث وأكاديمي

تركيا .. اللعب مع الكبار

في أول أيام عيد الفطر من عام 2020 أعلن المهندس “سلجوق بيرقدار” صناعة طائرة مُسيَّرة جديدة، أكثر كفاءة من سابقتها، لها القدرة على الطيران لمسافات طويلة وبارتفاعات أعلى ولها إمكانيات كبيرة في إصابة أهدافها بدقة، وحمل أسلحة ثقيلة مع سهولة في التحكم  بها.

وهي جيل متطور من الطائرات تُصبح به تركيا من الدول الثلاثة المتطورة في إنتاج هكذا تقنيات.

لقد قدّمت القيادة التركية دعماً هائلاً لهذا المشروع على مدى عقد ونصف من الزمان، بعد أن كانت من الدول المستوردة لهذه الأنواع من الطائرات التي كانت عاملاً مُهماً في حسم المعركة مع جيش الأسد وتأديبه في مطلع العام 2020 وإيقاع خسائر بشرية ومادية فادحة بقواته.

وقد وصلت الرسالة واضحة له ولحلفائه بل وحتى لحلفاء تركيا الذين يمارسون النفاق داخل حلف الناتو وخارجه.

المجال السياسي

إنّ هذا التفوق الجديد سبقته أشواط طويلة من التفوق في المجال السياسي والاقتصادي والعلمي، وتطلَّب رسمَ خطة طويلة الأمد سخَّرت لها تركيا كلّ إمكانياتها؛ للوصول إلى مَصَافِّ الدولِ الكبرى.

لقد تقدّمت في المجال السياسي كثيراً، وأصبحت لها سياسات واضحة وخطط مُنفَّذة وحضور فاعل، وخصوصاً بعد فوز حزب العدالة والتنمية في عام 2002 وتشكيله الحكومة مُنفرداً، وسياسته بتصفير المشاكل (Zero problems)، حتى أصبح لتركيا دورها الإقليمي المؤثر.

الجانب الإقتصادي

كما أولت الجانب الاقتصادي اهتماما بالغا؛ لحساسية هذا الملف لتركيا، وأطفأت الديون التي وصلت في عام 2000 إلى أكثر من مئة مليار دولار وبفائدة سنوية تقدر بخمسة مليارات دولار.

إذ إنها كانت من أكثر بلاد العالم دَيناً، وبدَين داخلي يُقدَّر بثلاثة وستين مليار دولار وفائدة سنوية مليار دولار.

وإسراف حكومي في مشاريع فاشلة أو وهمية بلغت قيمتها مئة وستة وتسعين مليار دولار خلال عشر سنوات من عام 1990- 2000.

وعمليات نهب واحتيال من قبل رجال الأعمال والمافيات بلغت مئة مليار دولار وإفلاس سبعةَ عشرَ مصرفاً تركياً، وتدنٍ غير مسبوق في مستوى دخل المواطن، وزيادة في البطالة وَالتضخم.

قفزات كبيرة

بيدَ أنّ تركيا قفزت قفزات كبيرة مع إصلاحات مدروسة ورسم خطط لاستثمار الأموال الخارجية في تركيا، وإيقاف عمليات التبذير وإضاعة المال، ودعم الصناعات الداخلية، وبناء مشاريع تدرُّ أرباحاً متزايدة لميزانية الدولة ودعم القطاع الزراعي والاهتمام بالسياحة وتوسيعها وتطويرها كونها جانباً مؤثراً في الاقتصاد التركي، والاهتمام بالبُنى التحتية للبلاد وعدم إغفال الجانب الخدمي وتعزيز ثقة المواطن بقدرة بلده.

تجاوزت تركيا العقبات الاقتصادية والانهيارات المالية المُزمنة للدولة التركية الحديثة، رافقها سنُّ الكثير من القوانين ورسم سياسات تساعد في تقدّم البلاد في حقوق الإنسان لما يمتاز هذا الملف من أهمية وزيادة مساحات حرية التعبير عن الرأي والحريات المدنية.

ودعم قطاع التعليم بشكل ملفت حيث بُنيت الآلاف من المدارس والمئات من الجامعات وفق نُظمٍ حديثة، والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في مجال التعليم والبحث والابتكار، والاهتمام بالقطاع الصحي والسياحة العلاجية، ووضع خطة لهذا القطاع حتى أصبحت تركيا من البلاد المتميزة فيه.

تركيا اليوم غير تركيا الأمس، تركيا التي كانت تطلب المساعدات والصدقات من دول العالم فواقع اليوم هو حلم قبل عشرين عاماً.

لقد استحوذت تركيا على أسباب القوة بعد أن عالجت أسباب الضعف، وتجاوزت مشاكلها الخارجية، وأحسنت التعامل مع أعدائها ومنافسيها، وأثبتت نجاح خططها وسياساتها لتلافي المعوقات المتوقعة، لقد أصبحت تركيا تُتقن اللعب مع الكبار.

المصدر: ترك بوست

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا