إزالة اسم “سليمان القانوني” من شارع بالرياض لا يمحو التاريخ

إزالة اسم “سليمان القانوني” من شارع بالرياض لا يمحو التاريخ 

ترك بوست

الكاتبة: احسان الفقيه

من المؤسف أن تكون صفحات التاريخ ألعوبة في التنازعات السياسية، ومن المؤسف أيضا أن يكون تقييم الشخصيات التاريخية أمرًا نسبيا خاضعا للمتغيرات السياسية، فيغدو من كان بطلا تاريخيا بالأمس مجرما سفاحا اليوم.

وفي خضم الكيد السياسي الذي يصدر عن بعض الدول العربية تجاه تركيا والرغبة في تشويه حاضرها وتاريخها، نشر حساب على تويتر يعرف بـ “إخبارية رفحاء” خبرًا يفيد بإزالة أمانة الرياض لوحات باسم السلطان العثماني سليمان القانوني من أحد شوارع العاصمة السعودية إيذانا بتغيير اسم الشارع.

ولم يكتف الحساب بنشر الخبر، ولكنه أدلى بدلوه في القضية، واتهم القانوني بسرقة ست قطع من الحجر الأسود ونقلها إلى تركيا باعتراف رسمي من حكومة أردوغان.

https://twitter.com/rafhanewss/status/1271736027712032774 

وعلى الفور، تلقفت حسابات ومواقع على الإنترنت الخبر، وطيرته في زهو، وكأنه نصر أحرزته السعودية على تركيا.

وقبل أن نشرع في الرد، نطرح بعض الأسئلة على بعض إخوتنا السعوديين الذين هللوا للخبر وروجوا له:

هل كنتم قبل الآن على جهل بالتاريخ وبما تزعمونه من جرائم سليمان القانوني وسرقة الحجر الأسود؟

وإن كنتم تعلمون، فلماذا سميتم شوارعكم باسم سلاطين الدولة العثمانية الذين تنعتونهم بالسفاحين؟

هل تتهمون حكامكم السابقين بالتواطؤ مع تركيا؟ أم أنهم تغاضوا عن سرقة العثمانيين للحجر الأسود تزلفا للأتراك؟

ولماذا كان علماؤكم ودعاتكم على مر العقود يمتدحون الدولة العثمانية وإنجازاتها؟ هل كان ذلك نفاقًا؟

أسئلة أنتم وحدكم من يستطيع الإجابة عليها..

وحتى لا نشتت القارئ، فإننا نرد هذا الاتهام من خلال تناول جانبين، الجانب الأول هو التهمة المتداولة بسرقة الحجر الأسود، والجانب الثاني هو إلقاء الضوء على شخصية سليمان القانوني وإنجازاته للأمة الإسلامية.

** سرقة الحجر الأسود:

بداية نحيط القارئ علمًا بأن نظرتنا للتاريخ العثماني نظرة موضوعية، إذ أننا نراها دولة إسلامية عظيمة قدمت خدمات جليلة للأمة، ولكن بها ما بها من سلبيات ومآخذ لم تخل منها أية دولة أو إمبراطورية إسلامية قامت بعد عهد الخلفاء الراشدين.

نقول إن نقل أجزاء صغيرة من الحجر الأسود إلى إسطنبول في عهد سليمان القانوني هي واقعة ثابتة لا يمكن إنكارها، حيث أن المعماري العثماني الشهير “سنان” (القرن السادس عشر الميلادي) قام بتثبيت أربعة أجزاء منها في جامع “صوقوللو محمد باشا” في إسطنبول، أما القطعة الخامسة، فهي لا تزال مثبتة في ضريح السلطان سليمان القانوني، بينما توجد القطعة السادسة في مسجد “أسكي” في مدينة “أدرنة”.

والأتراك في الأصل لا ينكرون وجود هذه القطع الصغيرة في بلادهم، لأنهم يتعاملون معها على أنه أمر تشريفي لهم، وأنهم حموا هذه القطع من الضياع على مدى ما يقارب خمسة قرون، فلذا ليسوا بحاجة لإنكارها لأن هذه نظرتهم لأجزاء الحجر الأسود.

وحتى السعوديون لم يكونوا قبل الخلافات السياسية الأخيرة يتهمون الأتراك بسرقة أجزاء الحجر الأسود، ويبدو من خلال ما كانت تنشره صحفهم ومواقعهم أنهم كانوا يرون في هذا العمل صيانة لتلك الأجزاء من الضياع في حقبة سليمان القانوني أثناء أعمال ترميم الكعبة.

وقد يدل على ذلك ما نشرته صحيفة المدينة السعودية من قبل، وهو تقرير نقلته عن موقع الألوكة (سعودي)، نقلا عن تقرير مترجم، جاء فيه على لسان “محمد سانجاك” إمام مسجد “صوقوللو محمد باشا”:

“أثناء ترميم الكعبة تتفتَّتُ أجزاء من الحجر، فيأخذ العاملون هناك قطعة من هذا الفُتات ويأتون بها إلى إسطنبول، وبعد ذلك يبحثون (أي السلطات) عن الشخص الذي أتى بالقطعة الحجرية، ويكافؤونه ويطلبون أن يحضر الحجر مكانه، ويعد هذا هو اقتراح المعمار(سنان) القائل: “فليبق هؤلاء هنا كضيوف شرف”، ثم يضع المعمار (سنان) الأحجار في أربعة أماكن من مسجد “صوقوللو محمد باشا” الذي كان يُنْشِئُه في ذلك الوقت، وتظل الحجارة حتى يومنا هذا”.

وهذا هو رابط التقرير على الصحيفة السعودية:

https://www.al-madina.com/article/119533

ونعرض على القارئ رابطا آخر، وهذه المرة على موقع العربية السعودي الذي لا يكف عن مهاجمة تركيا، لكن بما أن التقرير الذي نشره الموقع بتاريخ 30 ديسمبر 2016، أي قبل بدء الهجمة السعودية الممنهجة على تركيا، فسوف يعجب القارئ من سرد الموقع لأعمال العثمانيين في البيت الحرام، فيما لم يتعرض التقرير أو يشر من قريب أو من بعيد إلى أجزاء الحجر الأسود الصغيرة التي تم نقلها إلى إسطنبول.

ومما ورد في التقرير:

“قام سليمان القانوني بعمل باب للكعبة من خشب الآس. وأضاف له الذهب والفضة وكتب عليه الآية الكريمة: “وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا”.

“في عهد السلطان مراد حين أعاد بناء الكعبة بشكلها الحالي عام 1045 للهجرة جعل لها بابا جديدا من الفضة وطليت أجزاء منه بالذهب البندقي وبقي كذلك حتى عام 1119 للهجرة حيث تم تجديد نفس الباب وإصلاح ما عُطب منه”.

“صنع السلطان عبد المجيد خان، طوقاً جديداً، عام 1268هـ، من الذهب الخالص، ونقشت عليه آية الكرسي وكان هذا الطوق الوحيد على مر التاريخ المصنوع من الذهب الخالص وظل على الكعبة 13 عاما حتى تم تغييره من قبل السلطان عبد العزيز خان عام 1281هـ، بآخر فضي”.

“وأشار الهاشمي إلى أنه ذكر في التاريخ أن آخر من وضع طوقا للكعبة المشرفة على الحجر الأسود من العثمانيين هو السلطان محمد رشاد عام 1331 للهجرة وظل على الكعبة حتى العهد السعودي”.

” السلطان عبد المجيد خان صنع ميزابا للكعبة في اسطنبول عام 1276هـ، ولا يزال الميزاب موجودا في متحف الحرمين”.

” في عهد الدولة العثمانية، كانت الكسوة تصنع في مصر وكانت ترسل عن طريق المحمل وتودع وتستقبل باحتفالات في مصر والحجاز في ذلك الوقت وظلت حتى عام 1345 للهجرة حيث توقفت الحكومة المصرية عن إرسال الكسوة”.

كل هذه المقاطع نقلناها عن تقرير العربية، وهذا رابط التقرير:

https://www.alarabiya.net/ar/saudi-today/2016/12/30/%D9%87%D8%B0%D9%87-%D8%A3%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B9%D8%A8%D8%A9-%D8%B9%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE

فما الذي تغير حتى يتهم العثمانيون الآن فقط بالاعتداء على الكعبة المشرفة وسرقة الحجر الأسود؟

** جهود سليمان القانوني في حماية ورعاية الحرمين:

امتدادا لجهود سلاطين الدولة العثمانية في التصدي للخطر البرتغالي المحدق بأرض الحرمين، عمل السلطان سليمان القانوني على وضع خطة محكمة لحماية تلك الأماكن وغيرها من الخطر البرتغالي، فيذكر المؤرخ المصري عبد العزيز الشناوي في كتابه : “الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها”، أن العثمانيين أحبطوا مخططا برتغاليا لاحتلال مكة والمدينة ونبش الجسد النبوي، وقبضوا على جواسيسهم وأرسلوا بهم إلى السلطان الغوري عام 1510م.

ثم شرع السلطان سليمان بعد توليه الحكم في مهاجمة البرتغاليين واستولى على عدن، ثم رد البرتغاليون بحملة مضادة ودخلوا البحر الأحمر واتجهوا إلى ميناء السويس مقر القاعدة العثمانية البحرية، لكنهم ولوا مدبرين بعد أن رأوا تأهب العثمانيين.

وضع سليمان القانوني خطة لحماية تلك الأماكن من الخطر البرتغالي، تتمثل في اتخاذ عدن خط دفاع وقاعدة عسكرية لضرب البرتغاليين في مراكزهم بشرق الجزيرة العربية، والسيطرة على البحر الأحمر، وقام سليمان بإغلاق البحر الأحمر في وجه سفن البرتغاليين، ثم قام بتعميمه على جميع السفن الأجنبية المارة، فلا يسمح لهم بالمرور فيما وراء ثغر المخا جنوبي ثغر الحديدة باليمن، فتفرغ شحناتها ويعاد شحن حمولاتها على سفن إسلامية، فكان العمل على ذلك حتى القرن 18 الميلادي، وذلك لحماية الأراضي المقدسة من أي أطماع.

وقد كان للسلطان سليمان أعمال عظيمة في خدمة الحرمين وأهلهما وتأمين طرق الحج، ومنها:

قام بتجديد وإعمار باب السلام في المسجد الحرام، وتجديد وإعمار مآذن الحرم كمأذنة باب العمرة ومأذنة باب علي بالجانب الشرقي والتي أزيلت في التوسعة السعودية 1375هـ، كما قام بتجديد مقامي المالكي والحنبلي عام 932هـ، وهي نفس السنة التي جعل فيها أساطين المطاف التي تعلق عليها القناديل من النحاس بعد أن كانت حجارة منحوتة كما قال عبد القادر الجزيري في كتابه ” درر الفوائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة”.

كما قام بإصلاح مقام إبراهيم عام 949هـ، وكذلك إصلاح المطاف وتغيير بلاطه القديم، ووضَع منبرا من الرخام الأبيض البراق في المسجد، ظل يُخطب عليه حتى عام 1400هـ بعدها نقل إلى متحف الحرم، إلى جانب العديد من أعمال التجديد والإعمار التي قام بها سليمان القانوني في الحرمين الشريفين.

فهل مثل هذا السلطان الذي كان يجل البيت الحرام ويحمي المقدسات يقال عن نقله لقطع صغيرة تناثرت أثناء الإعمار والترميم، أنها سرقة؟

ولئن كان العمل في البلاد العربية المناوئة لتركيا في الوقت الحالي يجري على قدم وساق لاستلاب التاريخ العثماني من ذاكرة الأمة الإسلامية عن طريق إلغاء أسماء الشوارع والأماكن والآثار ذات المسميات العثمانية، فإنها أبدا لن تستطيع أن تمحوا من صدور الأمة إنجازات العثمانيين الذين يمثلون جزءًا لا يتجزأ من الحضارة الإسلامية.

 

المصدر: الاناضول

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا