لماذا هذه الحملة الشرسة على التاريخ العثماني؟

لماذا هذه الحملة الشرسة على التاريخ العثماني؟

ترك بوست

الكاتبة: احسان الفقيه

567 سنة مضت على حدث تاريخي ائتلقت له العواصم العربية والإسلامية، فعُلّقت الزينة في شوارع القاهرة والشام وشمال افريقيا وغيرها، وغبطة عظيمة كست وجوه أبناء الأمة، ورسائل التهنئة المتبادلة أخذت طريقها ذهابا وإيابا.
لقد كان الحدث هو فتح القسطنطينية عام 1453م على يد السلطان العثماني محمد بن مراد الثاني الملقب بالفاتح، وذلك هو موقف الشعوب الإسلامية والعربية حُكامًا ورعية.
يصف المؤرخ بن إياس في كتابه «بدائع الزهور»، بهجة المصريين بهذا الفتح فيقول: «وفيه وصل قاصد ملك الروم محمد بن عثمان، يخبر السلطان بفتح القسطنطينية العظمى، وقد صنع المكائد في فتحها، وكان الفتح منها في يوم الثلاثاء، في العشرين من جمادى الأولى من هذه السنة، فلما بلغ ذلك، دُقّت البشائر بالقلعة، ونُودي في القاهرة بالزينة، ثم إن السلطان عين يرشباي أمير آخور، أرسل رسولاً ثانيا إلى بن عثمان يُهنّئه بهذا الفتح».
لكن بعد مرور ما يقارب ستة قرون، وفي ذكرى هذا الفتح المبين، اختلفت الموازين، وانقلبت الأمور، وقُوبلت هذه الذكرى بإجحاف وتهوين أمر هذا النصر، ما يعكس مواقف سياسية لأنظمة عربية ناصبت تركيا الحديثة، العداء.
يأتي هذا الإجحاف في سياق حملة ممنهجة ضد التاريخ العثماني لتشويهه، بإبراز سلبياته – التي لا تخلو منها الحضارات والممالك والدول – تارة، أو بالاختلاق والتزييف والتدليس والفبركة والتلفيق، تارة أخرى. لا نبالغ إن قلنا، إن التاريخ العثماني لم يتعرض لمثل هذا الهجوم في الوطن العربي على هذا النحو، ولا حتى في حقبة بزوغ النعرات القومية بين العرب والأتراك، في أواخر عهد الدولة العثمانية، التي غَذّتها الأطماع الغربية. حشدٌ من المقالات والتقارير، والبرامج والأعمال الدرامية، والتغريدات والتدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي، اجتمعت على هدف تشويه التاريخ العثماني، بما يثير التساؤل:
هل كانت هذه الجهات في غفلة عن مساوئ الدولة العثمانية طيلة هذه الفترة؟ أم كانت على علم بها وسكتت عنها؟ وماذا يقال بشأن الدعاة والمحاضرين والمؤرخين والإعلاميين من تلك الدول المُهاجِمة، الذين كانوا يكيلون المديح للتاريخ العثماني، ويملأون الآفاق والمنابر وحلقات الدروس وقاعات المحاضرات، بإنجازات العثمانيين وخدماتهم الجليلة للأمة؟ وماذا عن المناهج التعليمية التي كانت تُبرز حكم العثمانيين، كخلافة إسلامية حَمَت الديار من الأخطار الخارجية المُحدقة؟ وماذا عن أسماء الشوارع والميادين المبثوثة في الدول العربية، التي تحمل أسماء لرموز الدولة العثمانية؟ كيف يُفسر هذا الانقلاب الثقافي المُفاجئ؟

الدول المناوئة لتركيا هدفها الأول فك الارتباط بين العرب والأتراك، ولا يتأتى ذلك إلا بتشويه التاريخ العثماني

العداء الذي تُظهره أنظمة الإمارات والسعودية ومصر، ضد الحكومة التركية الحالية، غير خافٍ على أي متابع، وذلك بعد اتخاذ تركيا مواقف لا ترضى عنها تلك الدول، أبرزها الموقف من ثورات الربيع العربي، والموقف من الانقلاب العسكري على الشرعية في مصر، والحصار الجائر على دولة قطر، وملف جريمة مقتل الصحافي جمال خاشقجي، وغيرها، فلماذا اختارت هذه الدول أن تضرب الماضي التركي؟ بم تُفيدها، نكايتها بتركيا؟ هل يكفل تشويه التاريخ العثماني تراجع المسيرة التركية الحالية الآخذة في الصعود المستمر على كافة الأصعدة؟
الدول المناوئة لتركيا هدفها الأول في هذه الحملات، هو فك الارتباط بين العرب والأتراك، الذي لا يتأتى إلا من خلال تشويه التاريخ العثماني، حيث إن هذا التلاحم الحضاري، الذي حدث بين العرب والأتراك طيلة ستة قرون، حفرت معالمه في تلك الشعوب، ولم تكف النزعات القومية من الجانبين لفك ذلك الارتباط التاريخي ممتد الأثر إلى الوقت الحاضر. وقد عمل أردوغان ورجاله على إعادة الهوية العثمانية للأتراك، باعتبارها فكرة مركزية في المشروع النهضوي، وهي مساعٍ تحمل في طيّاتها إعادة التذكير بتلك المظلة الجامعة، التي انضوى تحتها ذلك المزيج العربي التركي، باعتبار أنها راية إسلامية، تمثل السلطة الأبرز في العالم الإسلامي على مدى قرون، لذلك جعلت القيادة التركية الجديدة مجالها الحيوي بلاد العرب، بعد أن كانت قِبلتها أوروبا، وتشابكت مع القضايا العربية على نحو غير مسبوق، إلا ما كان في زمن الحكم العثماني. أضف إلى ذلك أن تركيا في عهد العدالة والتنمية قدمت نموذجا رائعًا، يفتح شهية الشعوب العربية ويُوجّه هواها إلى استنساخ التجربة، ما عمّق التعاطف العربي تجاه الأتراك.
لذا تعمل هذه الدول على إسقاط التاريخ العثماني في أعين الشعوب العربية، لأنه سيترتب عليه كسر هذا التلاحم وإضعاف هذا التعاطف مع الأتراك، هي حملة موجهة للعرب بالأساس، ولذلك تراهم يركزون بقوة على السقطات المتعلقة بالديانة، والتلفيقات كذلك في هذا الشأن، لإقناع المواطن العربي بأن هذه الدولة كانت بعيدة عن الإسلام وتعاليمه، وبأنها استغلته لتنفيذ أطماعها التوسّعية الاستعمارية، فإذا تشبّعت العقلية العربية بذلك، انفصلت وجدانيا عن تلك اللّحمة التاريخية، على اعتبار أن الراية الإسلامية التي حملها العثمانيون كانت هي اللواء الجامع للعرب والأتراك. لكن من خلال متابعة ردود الأفعال العربية تجاه هذه الحملات الشرسة على التاريخ العثماني، نلمح وعي الشعوب وحسن قراءتها للمشهد والمغزى، وأكثر المتجاوبين معها هم من المجتمعات التي تحكمها الأنظمة المناوئة لتركيا، من الشريحة التي تنقاد بسهولة وراء ما تُروّجه وسائل الإعلام الرسمية في بلادها، أما المثقفون، فباستثناء المؤدلجين والمأجورين، ستجد أنه يسهل عليهم الوصول إلى الحقيقة.
ولا ندّعي أن الدولة العثمانية منزهة عن العيوب والسلبيات، بل تضمّن تاريخها العديد من صفحات الجور والظلم والخطأ، شأنها شأن الممالك والدول الأخرى، إلا أنها لم تُنصَف، ذلك أن معظم العرب قد استقوا معلوماتهم التاريخية عن العثمانيين من خلال ما كتبه الأوروبيون، والمؤرخ المصري عبد العزيز الشناوي يُقرّ في كتابه «الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها»، أن حملات التشهير التي استهدفت الدولة العثمانية قامت بها الصهيونية والاستعمار الأوروبي.
تجاوب مع هذه الدعاوى حاملو لواء القومية، وقد كتب أحد مستشاري الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي كان يترأس الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا)، في الميثاق الصادر  21/5/1962، عن فتوحات الدولة العثمانية، أنها كانت «استعمارا مُقنّعا باسم الدين»، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

المصدر: القدس العربي

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا