إعمل الصح

إعمل الصح

خاص – ترك بوست

المستشارة الاسرية: فاطمة المهدي

“إبتعدي عن الضغط العصبي والتوتر”

هكذا نصحني طبيبي عندما شكوت له آلاما فاجأتني وفور خروج كلماته من فمه كدت أطلق قهقهة عالية لم يمنعني منها سوي احترامي لمقامه الذي لا يختلف كثيرا عن قامته

غادرت وأنا أردد:

حسنا سأتناول الدواء فقط والباقي ليس لدي ما أقدمه تجاهه وسأعتبر الجملة التي قالها كأن لم تكن.

كانت كلماته تلوح في الأفق بين الفينة والأخرى وكلما تذكرتها لا أتمالك نفسي من الضحك حيث أنني في كل مرة أتخيله بشكل مختلف

في إحدى المرات تخيلته كائنا فضائيا أخضر اللون بعين واحدة قد هبط علينا من كوكب المريخ لا يعلم شيئا عن كوكب الأرض العزيز يدعونا إلى أخذ جولة في كوكبه بعرض مذهل لا يتعدى ملايين الجنيهات.

مرة أتخيله حامِ حمي السلام في منطقة الشرق الأوسط لديه جناحي ملاك يحمل في يده اليمني غصن زيتون وفي اليسري حمامة سلام.

ومرة في دور سي السيد الذي لا يحمل هما لأي شئ حيث يعود إلى المنزل ليجد أمينه وقد أعدت له ما لذ وطاب من الأطعمة ولا يعلم شيئا عن أبنائه وزوجته وليس لديه أي ضغوط يعاني منها في عمله الذي يعود منه في الثانية ظهرا ليستلقي في هدوء على فراشه ثم يستيقظ ليقابل صحبه.

أتذكر أنني في آخر مرة وأنا أحاول أن أجد مبررا لما يقوله لي طبيبي حينها كنت أتاقلم بالكاد مع وضع جديد بظروف جديدة قد فرضت عليّ فرضا.

كنت أحاول أن أسترخي قليلا وأنا أقوم ببعض تمارين للتنفس وأسائله وكأنه جالس أمامي:

– هلا أشرت لي على زر التشغيل يا سيدي؟

– ماذا تقصدين؟

-أعني هلا ساعدتني في البحث عن الزر الذي يجعلني أوقف هذا التوتر وأين ذاك الزر المسؤول عن تخفيف الضغط العصبي؟

ضحك بصوت عالٍ قائلا بكل ثقة:

– إعملي الصح

وأنا أجيبه بسذاجة على الطريقة الحزلؤميه:

– مش فاهمه يعني أعمل إيه؟

ظل يقهقه وصدي صوته يتردد في أذني مثل غسان مطر:

– إعملي الصح

ثم تركني وغادر ..

غادر أحلام يقظتي سريعا كما حضر إليها سريعا

رغم أنني كنت أريد أن أخبره أن هذا “الصح” الذي يتحدث عنه لا يأت هكذا في لمح البصر ولن أستطيع أن أنفذه بكل سهولة كشرب الماء

غادر قبل أن أشفي غليلي منه ..

نعم ..لقد ملأني الغيظ والغضب لأن كلماته كانت استفزازا لا يوصف بل في بعض الأحيان كنت أعتبرها إهانة وفي أحيان أخرى أعتبرها سخرية من آلامي ..الجسدية والنفسية معا .

وكلما زاد الضغط تذكرت كلماته “الغامضة” والتي لا أجد لها “بديلا” في نفس الوقت.

لاحظت أن ماحدث لي قبل الذهاب للطبيب لم يكن بسبب ضغوط عملي فحسب بل كان له علاقة بطريقة أو بأخرى بالأحداث التي تجري في البلد من حولي مثل أحداث الثورة حينها حيث أن لجوئي للطبيب كان بسبب أنني استيقظت ذات صباح لأجدني لا أستطيع الوقوف حتى على قدمي ..خانتني خطواتي فجلست سريعا تفاديا لأي وقوع أو اترطام قد يحدث

في البداية لم أصدق ما حدث ..لم أشتكي من أي شئ قبلها وكنت حينها في بداية الثلاثينات من عمري ..

تتابعت الأحداث بعدها الواحدة تلو الأخرى وكأن الأمر أشبه بعود ثقاب قد أمسك بكل شئ وأقسم ألا يفلته حتى يومنا هذا

خلال تلك الفترة كنت قد اتخذت قرارا مع نفسي أنني يجب أن آخذ نصيحة الطبيب أخيرا بعين الاعتبار وأنني يجب ان انظر لكلماته بشكل آخر وإلا سوف أنهار حرفيا بسبب ما يحدث حولنا كل يوم

جلست أتدبر كلماته

هل حقا أستطيع أن أسترخي وأبتعد عن الضغط العصبي؟

هل أقدر حقا على تخفيف التوتر؟

ثم اكتشفت أن كل شئ في الحياة هو مجرد “قرار” ..

قرار بالحزن

قرار بالسعادة

قرار بالحب أو البغض

يجب أن أتخذ القرار وأنا الوحيدة القادرة على ذلك

كانت تمر بعض الأيام وأنا أحاول..أفشل حينا وأنجح أحيانا أخرى

عند الفشل من السيطرة على الأمور وانفلات زمامها أجدني أبدأ في الاضطراب ومن ثم أصاب بالقلق والتوتر

لكن مع الممارسة أخذت أراجع بعض أفكاري التي وجدت أنه لابد وأن تُصحح

من قال أن ما أخطط له لابد وأن يحدث الآن .. وبنفس الكيفية أو الطريقه؟

من فرض علىنا هذا القالب؟

لماذا أصر على التحكم بكل أمور حياتي؟

لماذا لا أقوم بواجبي فقط دون أن أقلق بشأن النتيجة؟

لماذا يجب أن تكون النتيجة في الوقت الذي أحدده بالطريقة التي أختارها؟

ستكتشف بعد فترة من الوقت أنه يجب عليك إرخاء قبضتك والاستسلام فحسب

نعم ستُحتم عليك الظروف ذلك..

فبدلا من الصراخ والعويل أو القلق والخوف ومن ثم الانهيار.. حتما هناك بدائل ..

بدائل تقوم بها حتى لا يطير عقلك ..

تلك البدائل قد لا تكون حلولا للمشكلات، لأن المشكلات التي تواجهك في الحياة ليست جميعا تحت سيطرتك ..هناك مشكلات لن تحل الآن ..

وهناك مشكلات لا تخصك وحدك بل تخص المحيطين بك والتي تؤثر فيك بشكل أو بآخر

وهناك مشكلات بطبيعة الحال تخص المجتمع بأسره والتي لن تستطيع أن تقدم لها حلولا لأن ذلك ليس من اختصاصك

فماذا ستفعل أنت في كل ذلك؟

يجب أن تدرك في البداية وقبل كل شيئ أنك لست مركز الكون

وأنك لست “إله” ..

وأن لك قدرات بشرية محدودة من المنطقي أن تتحرك في إطارها

فما عليك حينها إلا أن تجلس مسترخيا على مقعدك تحتسي كوبا ساخنا من الشاي الممزوج ببعض الحليب مسندا ظهرك إلى الوراء ناظرا إلى الفراغ أو مغمضا عينيك لتسبح في أحلامك التي تجعلك تعيش في جزيرتك المفضلة، مبتعدا عن جميع مشكلات ذاك العالم الذي يدفع بك الى هاوية الجنون، تأخذ شهيقا عميقا لتملأ صدرك بهواء شاطئ البحر النقي والزفير يخرج من فمك ببطء، وموج البحر يتراقص أمام عينيك حتى يتجلى من بينه درفيلا صغيرا يمرح أمامك ويدعوك إلى جولة على ظهره وما إن تقوم لتلبي نداءه حتى تستيقظ من أحلامك على صوت أحد أبنائك:

“بابا المدرسة عاوزة القسط التاني”

فما يكون منك إلا أن تلعن اليوم الذي أدخلته فيه تلك المدرسة لكنك في نفس الوقت تبتسم ابتسامة المنتصر الذي استطاع أن يختلس لحظة استرخاء في خضم كل هذا الهرج المفضي للجنون ولسان حالك يقول لطبيبك:

لقد نفذت نصيحتك يا عزيزي “وعملت الصح” لكنني أتساءل:

هل تقوم أنت كذلك “بعمل الصح” أم أن مصاريف مدرسة ولدك قد منعتك؟

المصدر: ترك بوست

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا