مجرد تصور .. خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي ..

EU and Union Flags wave outside the Houses of Parliament in London on October 20, 2017. Prime Minister, Theresa May has flown to Brussels for a summit with other European leaders. Reports of deadlock over Brexit negotiations may have been exaggerated, European Council President Donald Tusk has said after a Brussels summit. (Photo by Alberto Pezzali/NurPhoto via Getty Images)

مجرد تصور .. خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي ..

خاص ترك بوست
عبد الفتاح ابو طاحون – كاتب وباحث في الشأن الروسي

كانت فكرة مشروع الاتحاد الأوروبي قد بدأت منطلقة من أسباب تجلت في حقبة سابقة، وهي حقبة الحرب الباردة وحقبة التهديد القادم من الشرق إلى القارة الأوروبية الذي مثلته الشيوعية وقطبها الاتحاد السوفييتي وقوته المرعبة سيما القوة النووية. وهو اهم الأسباب التي قامت عليها فكرة الإتحاد.
كان النشيد الوطني للاتحاد المُراد اقامته قد اختير رسمياً في العام 1986. وهي قصيدة للشاعر الألماني فريديريك شيللير كتبت في العام 1785 وقد لُحنت من قبل الموسيقار الألماني بتهوفن في العام 1823 ..
بعد إعتماد النشيد الوطني للإتحاد المنشود في العام 1986 بثلاث سنوات في العام 1989 بدأ سور برلين يترنح ماثلاً للسقوط وباتت الشيوعية كمشروع حضاري ـ منتهي الصلاحية .. تراجعت الشيوعية مفسحة المجال لشطري أوربا بالإنفتاح الواسع والشامل .. سرعان ما انتهز القادة الأوروبيون ومن ورائهم مؤسساتهم الفرص في تجسيد تفاصيل الاتحاد وجزئياته على الأرض. ظهر فضائ الشنجق بدون حدود، ثم ظهرت العملة، ثم غيرها من التفاصيل ..
واليوم على بعد ثلاثين عاماً على انفتاح أوربا على بعضها ـ العدل، الضمان الاجتماعي، سيادة القانون والحريات، الديمقراطية والمساواة، كل هذا تحاول الحضارة الغربية الحفاظ عليه في مجتمعاتها، وفي نفس الوقت لا تسعى بالقدر الكافي لإيصاله للمجتمعات الأخرى حتى لو كانت مجتمعات أوروبية مسيحية مثلها.. فعندما بدأ الانهيار للشيوعية في المجتمعات المجاورة في أوروبا الشرقية مد الغرب يده للمساعدة وفعلاً ساعد في إضعاف الشيوعية، وبعد هذه السنين لم تصبح أوكرانيا أو جورجيا أو مولدافيا أو صربيا واحات للحريات وللازدهار.. بل تصدرت إليها مساوئ المجتمع الغربي من الثورة الجنسية والإباحية وظهر فيها جيل الشواذ، وظهرت كذلك مشكلة الانقراض السكاني وانقراض الطبقة الوسطى وظهر كذلك مجتمع الترف والقمار واللهو.. ولم تصبح أي منها قلاع اقتصادية ذات ناتج قومي كما في أوروبا الغربية .. ولم تصبح اي منها معاقل صناعية واعدة .. وذلك رغم انضمام الكثير منها إلى الاتحاد الاوروبي وحلف الناتو ..
وفي المقابل ماذا استفادت أوروبا الغربية من الإنفتاح على أوروبا الشرقية!!؟؟
استفادت الكثير الكثير.. أهما الفائض في القوة العسكرية الأوروبية التي أهلت لندية أمام الأمريكان الذين هيمنوا على منظمة الناتو لسنوات عديدة وعلى الأرض الأوروبية.. لكن كذلك ظهرت ظواهر سلبية ذات طابع مُهدد. فقد انهارت بعض اقتصادات أوروبا الغربية منها اقتصاد ايسلندا في العام 2008 .. وفي ايرلندا في نفس العام 2010 .. وفي البرتغال واسبانيا وغيرها .. وتهددت شركات اوروبية عتيدة بالانهيار والافلاس، مثل شركة الطيران الإيطالية (أليتاليا) وغيرها..
اليوم الانجليز لا يفضلون المغامرة وليسوا مضطرين إليها سيما أن أهم الأسباب التي قام عليها الإتحاد الأوروبي قد اختفت ولم تعد قائمة، وهي التهديد الشيوعي ورعب سنوات الحرب الباردة. فالتهديد الحقيقي اليوم هو الانهيار الاقتصادي، وتبني مشكلات قارة بأكملها تعاني من الشيخوخة وعدم التجانس ..
عندما رسخ الاتحاد السوفييتي أدواته في بداية قيامه مارس سياسة الترويس أي جعل من اللغة الروسية اللغة الرسمية لكل المجالات، في العلوم والثقافة وغيرها .. ولحل مشكلة الدين لغى الديانات كلياً من وجدان النخب أصلاً وهدم المعابد ودرو العبادة وحول بعضها إلى متاحف ..ولحل مشكلة الطبقية مارس المساواة على السكان في كل شيئ (رغم أنها كانت مساوة ظالمة وفاشلة) لكن أزالها كعقبة أما الدولة العظمى الناشئة.. وبالنسبة للعملة الموحدة لم تكن لديه مشكلة في جعل الروبل الروسي عملة حكومية لكل الشعوب والجمهوريات ..
أوروبا اليوم على بعد ربع قرن لم يكن وارد أن تكون لها لغة واحدة، وليس من الممكن أن يكون في أوروبا لغة واحدة في يوم من الأيام، فتوحيد اللغة هو تهديد للغات الأخرى. فاللغات الأوروبية متساوية الانتشار .
وبالنسبة للدين فالديمقراطية التي تتبناها أوروبا باتت منحازة في أغلب الأحيان ـ مما يجعل فكرة التعايش بين الطوائف سيما الجاليات الاسلامية ومحيطها الأوروبي فكرة غير مضمونة ..
وإذا كان الإتحاد السوفييتي قد نجح في توحيد العملة ــ فالأوروبيون مازالوا يحتفظون ببعض عملاتهم ـ التي أصبح اليورو يهددها ..
مشكلات كبيرة متداخلة ومعقدة في قارة عجوز تعاني من الشيخوخة ومن أمراض مزمنة لم تستطع فكرة ومشروع الاتحاد حلها. ويبدو أنه لم يبق أما الإنجليز وحكومتهم إلا الإبتعاد عن المشاكل وعبئها، والتفرغ للحفاظ على مكتسباتهم قبل أن يطالها سندروم (متلازمة) الشيخوخة والتراجع والإنهيارات الإقتصادية ..

المصدر: ترك بوست