مجرد تصور … العودة إلى الوطن الأزرق ..

خاص ترك بوست

عبد الفتاح أبو طاحون ..كاتب وباحث في الشأن الروسي

“Mavi vatan”

مصطلح موجود في الوعي الجمعي التركي، وبقصد به البحر المتوسط .. ولطالما اعتبروه على مدار تاريخهم بالمياه الجنوبية وعمقهم الإستراتيجيخلف خطوطهم الجنوبية .. فيه دارت أهم معاركهم التي حددت أوضاعهم السياسية عبر تاريخهم. فقد خسروا قبرص وجزيرة كريت، ومجموعة كبيرةمن الجزر بينهم وبين اليونان بعد معركة نفارين في العام 1827. وبعدها فقدوا السيطرة على عمقهم الاستراتيجي  من جهة الجنوب والغرب. خرجالبلقان كله من تحت إدارتهم. ثم سقطت الجزائر الولاية العثمانية في العام 1830، بعدها أصبح الشرق الأوسط مكشوفاً .. ثم دخل الإنجليز قبرصفي العام 1878 عبر إتفاقية إنتهازية ــ فأصبح الطريق مفتوحاً لإحتلال مصر، وبالفعل احتلها الإنجليز بعد  أربع سنوات أي في العام 1882 .. ثمدخل الطليان ليبيا في 1911.. ثم توالى سقوط البلاد والمدن تباعاً حتى الحرب العالمية الأولى ونتائجها المعروفة ..

اليوم يرجع الأتراك بقوة إلى الوطن الأزرق لترتيب الأوضاع فيه حسب ما تقضيه تصوارتهم الأمنية ـ منها السياسية والاقتصادية. فالإتفاق مع ليبياجعل الثلث الأول من الوطن الأزرق ( شرق المتوسط ـ من سواحل الشام حتى الشواطئ الشرقية لجزيرة كريت ) جعله منطقة إحتدام سياسي  بإصرار تركي وتراجع لقوى الخصوم ..

ويتزامن التحرك التركي شرق المتوسط مع تطورات كبيرة في فضاء النهضة التركية .. ففي أقل من ثلاثة أسابيع جرت عدة نقلات نوعية في مسارنهضتهم ـ  أولاً إتفاق ترسيم حدود مع حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دولياً، ثم لاحقاً تبع الإتفاق طلب رسمي من حكومة الوفاق الليبية  من الحكومةالتركية دعماً عسكرياً، وبين الحدثين احتفل الرئيس التركي وحكومته بإنزال غواصة تركية إلى المياه الجنوبية، وهي صناعة تركية واعدة ..

والحدث الآخر هو معاملة الجانب الأمريكي بندية، فعندما هدد الجانب الأمريكي بفرض عقوبات على تركيا ــ لوحت الحكومة التركية بإغلاق القاعدتينالأمريكين على الأراضي التركية، الأمر الذي لم يتعود الجانب الأمريكي منذ عقود طويلة ..

ثم جاء الختام بالإحتفال بخروج سيارة تركية بمحرك كهربائي ذات مواصفات عالمية عالية. هذه الأحداث توالت في أقل من ثلاثة أسابيع. وكلها أحداثمهمة يصعب ترجيح أيهما أهم من بينها. فإذا ركزنا على الغواصة التركية بنت الصناعة التركية ـ فحتماً لن تكون الأولى والأخيرة، فالنية غالباً موجودةلإمتلاك أسطول كبير وضخم من هذه الغواصات سيما لا يتطلب الأمر شيئاً خارج عن إرادة الدولة التركية فالصناعة تتم بموارد تركية وبأيدي وعقولتركية.

ثانياً: إذا سلطنا الأنظار على التهديد التركي للجانب الأمريكي بغلق قواعده العسكرية هذا في حد ذاته يشي باستغناء الجانب التركي عن الوجودالأمريكي، وكأنها إشارة إلى أن السياق الزمني والضرورة التي تطلبت للوجود الأمريكي على الأرض التركية وهي الحرب الباردة قد انتهت  ولم تعدأسبابها قائمة، فقد انهار الإتحاد السوفييتي منذ ثلاثون عاماً.

وثالثاً: وهو حدث دعم الشرعية في ليبيا الذي يعني تراجع الثورات المضادة ووقوف بلد من بلدان الربيع العربي على سكة الحرية الحقيقية والمسارالنهضوي الحقيقي.

ورابعاً: السيارة التركية الجديدة ـ هذا الإنجاز معناه إغراق السوق التركية أولاً بهذه السيارة ما يبقي العملة الصعبة داخل الدولة التركية مما يعززوضع الليرة التركية في مقابل  العملة الصعبة ..

لكن ربما يبقى الحدث الأهم من بين هذه الأحداث وفي خضمها ـ هو انعقاد قمة كوالامبور، ذلك الحلم الذي لطالما حلم به الساسة الساعين لمركزيةاسلامية ..

ثلاثة أسابيع انجازاتها تشبه ما ينجز في دول أخرى ربما في ثلاث سنوات ..

المصدر: ترك بوست