مجرد تصور … الصراع على مركزية الإقليم بين العثمانيين والصفويين محاولة للفهم

خاص ترك بوست
عبد الفتاح أبو طاحون ..كاتب وباحث في الشأن الروسي

لاشك بمجيئ قوى الإستعمار إلى المنطقة خلق مشكلات لتعزيز وجوده. لكنه كذلك عزز مشكلات كانت موجودة قبله. من هذه المشكلات التي سبقته هي مشكلة غياب الادوار المركزية للدول الفتية في المنطقة، فقد جعل من هذه الدول فاقدة للدور المركزي رغم وجود مدارها الجيوسياسي وعمقها الإستراتيجي ..دولة واحدة حاول تعزيز دورها المركزي ليكون في مواجهة الدور التركي المركزي ـ هذه الدولة كانت إيران .. المشروع الإيراني الطائفي المتطلع إلى مركزية الإقليم عمره أكثر من خمسة قرون .. وطوال هذه القرون كان صراع مرير في داخل الشرق الأوسط، جوهره محاولة الصفويين السيطرة على الإقليم .. أكثر من ثلاثة عشر معركة مفصلية بين العثمانيين والصفويين إمتدت لأربعة قرون. كان منها تحرير العراق الذي نراه اليوم على أيدي العثمانيين من الصفويين.
في خضم الصراع العثماني الصفوي اضطر العثمانييون لإسقاط دولة المماليك في مصر مع أنها كانت دولة سنية مجاهدة ومتحالفة مع الدولة العثمانية .. فذكر المؤرخون عدة أسباب لهذا الحدث، أهمها أن المماليك لم يعودوا قادرين على حماية المقدسات في مكة والمدينة والقدس. وقيل أن العثمانيين طمعوا في ضم بلاد المقدسات. لكن الحقيقة التي بقيت مهمشة أن العثمانيين خسروا امام البرتغاليين معارك المحيط الهندي وفقدوا طرق التجارة وكان الأسطول المملوكي يحالفهم وشاركهم في المعارك، خسروا المعركة رغم ضخامة العتاد، وسقطت مدن مسلمة كثيرة في الطريق ما بين البرتغال والهند .. وكان الصفوييون يتحالفون مع البرتغاليين علناً وسهلوا لهم مسارهم نحو الخليج العربي. بعد المعركة قرر العثمانيون شن حملة على الصفويين وكان معركة جالديران الشهيرة في العام 1514. المفاجأة التي حصلت ـ أن المماليك ابدوا تعاطفاً مع الصفويين ما كشف المستور أمام العثمانيين وهو: أن الصفويين إستمالوا سلاطين المماليك .. فإضطر العثمانييون لإسقاط سلطة المماليك عن مصر والشام مباشرة بعد معركة جالديران. وكانت معركة مرج دابق في العام 1516 ثم تبعتها معركة خانيونس في نفس العام ..
سقوط الأندلس في أيدي القوط “الأسبان” الكاثوليك كان مأساة قاسية وخسارة فادحة، لكن سقوط بلاد فارس في أيدي الصفويين الخارجين على الملة والمحاربين للسنة وأهلها كان أشد قساوة .. أسقطت بلاد فارس بعد أن كانت بلاد العلماء لأهل السنة، أسقطت بشكل دموي، تم تشييع أهلها بالحديد والنار وقتل الكثير منهم .. كان الفارق الزمني بين سقوط أخر معاقل الاندلس في قرطبة وسقوط بلاد فارس تسع سنوات. سقطت قرطبة في العام 1492 وسقطت بلاد فارس في العام 1501 .. بعد أن أسس الصفوييون دولتهم الطائفية الدموية سرعان ما تحالفوا مع البرتغاليين، بهذا التحالف هزم البرتغالييون العثمانيين في معركة بحرية ضخمة وإنتزعوا منهم السيطرة على المحيط الهندي وأسقطوا عدة مدن ومعاقل اسلامية على السواحل في طريقهم كانت تونس إحداها، وأصبح العالم الإسلامي محاصر من جهة الجنوب وأصبحت مياهه الجنوبية مفتوحة أمام القوى الأوروبية ـ البرتغاليون أولاً ثم تلاهم الإنجليز وغيرهم .. ثم استمال الصفوييون سلاطين المماليك الأمر الذي أثار حفيظة العثمانيين فإضطرهم إلى خوض حرب ضد المماليك ودارت حرب سنية سنية طاحنة أسقطت فيها سلطة المماليك، أربعة قرون لم ترتاح فيها الدولة العثمانية من جراء هجمات الصفويين على البلاد والعباد، بالإضافة إلى حروبها في البلقان مع القوى الأوروبية .. بعض الحروب الصفوية استطاع فيها الصفوييون إسقاط العراق وفي غيرها اسقطوا القوقاز الجنوبي، وفي غيرها هجموا على بلاد الأفغان وأحدثوا فيها مجازر دموية ضخمة ..
واليوم المشروع الصفوي بمساعدة القوى الاستعمارية يهيمن على المنطقة، وعاد يمارس دمويته على المدن والعباد، وكما استمالوا المماليك سابقاً يستميلون اليوم غالبية الأنظمة الشمولية في المنطقة .. عادوا يسقطون المدن الواحدة تلو الأخرى …

المصدر: ترك بوست