“اتفاق الرياض”.. من الحرب إلى السياسة .. كيف تناولت الصحافة التركية الشأن اليمني؟

ترجمة خاصة ترك بوست

محمد الرجوي / صحفي يمني

لازالت الصحافة التركية مهتمة بتغطية تداعيات “اتفاق الرياض” الموقع بين الحكومة الشرعية اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي في الخامس من شهر نوفمبر الماضي، حيث نشرت العديد من الصحف التركية الكبرى والمواقع الاخبارية الشهيرة مقالات تحليلية حول الاتفاق تشير بعضها إلى رؤية ايجابية للاتفاق كونه سيساهم في تخفيف الحرب في اليمن، بينما عكست مقالات أخرى نظرة متشائمة حول الاتفاق كونه يصب في مصلحة الإمارات في تقسيم اليمن، مع الإشارة إلى وجود تخوف من عدم نجاح الاتفاق في المستقبل القريب.

 استراتيجية اماراتية لتقسيم اليمن

تحدث موقع “تايم ترك” في مقال تحليلي بعنوان “دروس السعودية في اليمن” عن احتمالية أن يضر الاتفاق بمشروع اليمن الموحد. حيث يدل الاتفاق بين حكومة هادي والمجلس الانتقالي الجنوبي على أن المملكة العربية السعودية قدمت تنازلات جدية.

فعلى الرغم من أن التدخل لـ “التحالف العربي” بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أوقف الحوثيين، إلا أن المناطق الشمالية، حيث يعيش 60 في المائة من سكان البلاد، لا تزال تحت سيطرة الحوثيين. ونظرًا لأن المملكة العربية السعودية ليست في وضع يسمح لها بتحمل هذا العبء لوحدها، فقد تحولت إلى اتفاق الرياض الذي يعد مؤشراً على أن السعودية تسعى لإقامة علاقة دبلوماسية مع إيران.

وأشار المقال إلى أن حقيقة أن الإدارة السعودية تعتبر المجلس الانتقالي، الذي اتهمته سابقًا بالانقلاب، كممثل رسمي لليمن وتعترف به كشريك في حكومة هادي، يدل على أن الدوله ستعيد هيكلة جنوب اليمن وأن المملكة العربية السعودية قد تضطر إلى قبول الواقع الحوثي. كما عززت دولة الإمارات العربية المتحدة، التي كان لها مشروع منفصل منذ بداية الحرب في اليمن، وجودها في اليمن من خلال السيطرة على الموانئ والمطارات الاستراتيجية حول مضيق باب المندب، وكذلك ممارستها لأعمال الاعتقالات غير القانونية والسجون السرية في الجنوب بدلاً من قتال الحوثيين.

وفي هذا السياق، وبعد اتفاق الرياض، يمكن القول إن الإمارات العربية المتحدة هي الجانب الاستراتيجي للاتفاق، على الرغم من موافقتها على تقاسم بعض مكاسبها في الجنوب مع شريكها في التحالف، المملكة العربية السعودية. ونتيجة لهذا الاتفاق، اكتسب المجلس الانتقالي الجنوبي شرعية دولية إلى جانب حكومة هادي، حيث أصبح المجلس يملك نصف الدولة في جنوب اليمن.

 اتفاق ينهي الأزمة

تحدثت صحيفة “حرييت” تحت عنوان “اتفاق مع الانفصاليين الجنوبيين في اليمن” عن توقيع الحكومة اليمنية مع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات العربية المتحدة اتفاقاً لتقاسم السلطة. ونوهت الصحيفة إلى أن المملكة العربية السعودية لعبت دور الوسيط في هذا الاتفاق الذي سينهي النزاع في جنوب اليمن، مشيرة إلى وصف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للاتفاق بأنه “حيوي وسيفتح حقبة جديدة من الاستقرار في اليمن”.

ونقلت صحيفة “ملييت” موقف الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاق الرياض، حيث أعربت الإدارة الأمريكية عن ارتياحها لتوقيع اتفاقية الرياض، والذي من المتوقع أن ينهي الأزمة بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المدعوم من الإمارات العربية المتحدة. حيث أدلى المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، مورجان أورجتوس، بتصريح مكتوب حول اتفاقية الرياض قائلاً: “الولايات المتحدة ترحب بالاتفاق بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي في الرياض، ونأمل أن يساعد الاتفاق في إنهاء العنف في البلاد”.

الخاسرون في الرياض

نشر موقع “خبر7” الشهير مقالة للكاتب التركي اسماعيل يشار تحت عنوان “الخاسرون في الرياض”، تحدث فيها الكاتب عن اختلاف الأراء بين مؤيدي المحور السعودي-الإماراتي الذين يرون أن الاتفاق يعد “نجاحًا كبيرًا”، بينما تعتقد إيران والحوثيون أن “الاتفاق لا يهم اليمنيين وأن الموقعين لا يملكون إرادتهم”.

وأشار الكاتب إلى أن بعض وجهات النظر ترى أن الاتفاق لن يكون ناجحًا، بينما يرى آخرون أنه ينبغي إعطاؤه الفرصة والانتظار بعض الوقت لمعرفة ما إذا كان سينجح. ولكن الشيء المهم ليس في حقيقة توقيع الاتفاق، ولكن في التطبيق العملي للاتفاق. فعلي سبيل المثال، في فلسطين وقعت “حماس” و”فتح” العديد من الاتفاقيات لإنهاء الانقسام، لكن كل هذه الأمور أهدرت خلال مرحلة التنفيذ.
وتسائل الكاتب “من فاز ومن خسر في الرياض؟” وعند البحث عن إجابة لهذا السؤال، يجب أولاً أن نذكر الخاسرين. فالرئيس هادي لم يفقد نصف الحكومة وحسب، بل سلم البلاد إلى المملكة العربية السعودية. فبموجب الاتفاق، سيكون التحالف الذي تقوده الرياض هو المتحكم، وستقرر المملكة العربية السعودية من الذي يمتثل للاتفاقية ومن يخالفها. هادي الذي كان يقول سابقاً: “لن نجلس على الطاولة مع المتمردين حتى يسلم الانتقالي المباني الحكومية التي احتلها في عدن، ولكنه تراجع تحت ضغط من الرياض للجلوس على طاولة المفاوضات وقبول الاتفاق. وكذلك صافح هادي من قام بقصف جنوده في عدن وأبين. ومن غير الواضح أيضًا ما إذا كان هادي سيعود إلى عدن على الرغم من الاتفاق.”

وأضاف الكاتب: “لقد حفز المجلس الانتقالي بقيادة عيدروس الزبيدي أنصاره بفكرة إعلان استقلال جنوب اليمن، ولكنهم بهذا الاتفاق، تخلوا عن هذه الأحلام – على الأقل حتى الآن. فمن المؤكد أنه تم التضحية بكل هذه المُثُل من أجل عدد قليل من المقاعد وأنهم سيجدون صعوبة في شرح ذلك لأنصارهم حول العمل مع الأشخاص الذين أعلنوا سابقاً أنهم العدو الأول.”

وتابع الكاتب: “يمكن تسمية اتفاقية الرياض أيضًا بإعلان هزيمة التحالف السعودي الإماراتي، الذي تدخل في اليمن لطرد الحوثيين من العاصمة صنعاء، لكنه فشل رغم كل الدمار الذي خلفه. حيث يُنظر إلى الاتفاق على أنه الخطوة الأولى في مشاركة أوسع تشمل الحوثيين. فبعد يوم واحد من توقيع الاتفاق، قال مسؤول سعودي، لم يرغب في الكشف عن اسمه، إن الحوثيين لم يغلقوا الأبواب وأن القنوات بينهما مفتوحة منذ عام 2016 لضمان السلام في اليمن. وصرحت فيديريكا موغريني، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للعلاقات الخارجية والسياسات الأمنية، بأن اليمن يقترب من اتفاق سلام شامل.
اتفاق ولد ميتاً

نقلت صحيفة “حرييت” موقف الحوثيون من اتفاق الرياض، حيث نقلت الصحيفة تصريحات تحت عنوان “الحوثيون يدعون أن اتفاق الرياض ولد ميتاً” عن حمدي عاصم، ممثل الحوثيين في محادثات السلام اليمنية التي تجري تحت رعاية الأمم المتحدة، قوله في بيان لمراسل وكالة الأناضول “إن العاصمة السعودية الرياض ستواجه مشاكل خطيرة مع تنفيذ الاتفاق”، وأضاف: “هذا الاتفاق ولد ميتاً ولن يتم تنفيذه. يقتصر نطاق الاتفاق على مناطق معينة ولم يتمكن من تقديم حل مرض لهذه الأطراف.”

وتحدث موقع ” سي ان ان ترك” عن انتقاد إيران لاتفاق الرياض، حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي إن “اتفاق الرياض بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي لن يساعد في حل المشاكل في هذا البلد. وقال موسوي إن “توقيع مثل هذه الاتفاقات لن يسهم في حل الأزمة في اليمن. هذا النوع من الاتفاق سيعزز من احتلال المملكة العربية السعودية وحلفائها لليمن”. وفي إشارة إلى أن إيران تدعم إنشاء حكومة وحدة وطنية واسعة النطاق على أساس المفاوضات، قال موسوي “إن الحوثيين لن يسمحوا أن تكون المناطق الجنوبية للبلاد تحت سيطرة القوى الأجنبية.”

من الحرب إلى السياسة

تحدثت صحيفة “قونيش” في تحليل خاص عن تسلُّم الأمير خالد بن سلمان للقضية اليمنية من أخية ولي العهد محمد بن سلمان، مشيرة إلى أن المملكة العربية السعودية، التي زاد ثقلها في الجنوب بعد اتفاقية الرياض الموقعة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي في اليمن، تجري محادثات سرية مع الحوثيين الذين يسيطرون على الشمال. وبهذا تنتقل السياسات في الرياض وأبو ظبي من الخيار العسكري إلى الخيار السياسي الذي يتصور المصالحة مع الحوثيين.

ووفقًا للتقرير الصادر عن مركز سانا للأبحاث، أصبحت إدارة الرياض هي الدولة الوحيدة في جنوب اليمن بعد الاتفاق الموقع في 5 نوفمبر 2019. وترى المصادر اليمنية أن اتفاق الرياض هو المرحلة التحضيرية قبل التغييرات الرئيسية في عملية الحرب في البلاد. وتقول المصادر إن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، اللتان دعمتا الحكومة اليمنية ضد الحوثيين منذ مارس 2015 ، تحاولان إعطاء صورة عن الاستقرار المفترض للبلاد من خلال تغطية الكارثة التي تسببتا فيها.

ويقول خبراء سياسيون يمنيون إنه من الممكن أن نرى علامات على تغير سياسة المملكة العربية السعودية والإمارات في اليمن، حيث أعلن وزير الدولة للشؤون الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة أنور قرقاش أن “الحوثيين سيلعبون دورًا في مستقبل اليمن”، وكذلك زيارة نائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إلى عمان، المقربة من الحوثيين، وهذا يشير إلى أن الرياض وأبو ظبي قد يحولون الخيارالعسكري إلى خيار سياسي ينص على المصالحة مع الحوثيين.

وعقب اجتماع خالد بن سلمان مع سلطان عمان، قابوس بن سعيد، رحبت وزارة الخارجية العمانية باتفاق الرياض بين الأطراف اليمنية وقالت إنها “تأمل في أن يمهد ذلك الطريق لإجماع سياسي شامل لإنهاء أزمة البلاد”.

اتفاق سعودي إماراتي

نشرت صحيفة “يني عقد” مقالاً للكاتب التركي أحمد فارول تحت عنوان “اتفاق سعودي اماراتي في اليمن”، تحدث فيه عن توقيع اتفاق الرياض بين أطراف الصراع في جنوب اليمن وبين داعميهم أيضا. حيث قال الكاتب إن “اليمن التي تهزتها الحرب الأهلية منذ فترة طويلة ولم تستقر بعد، تم بخصوصها توقيع اتفاق يوم الثلاثاء 5 نوفمبر في العاصمة السعودية، الرياض. لكن لنتذكر أولاً أن هذا الاتفاق لا يرتبط بالقضية الحقيقية في البلاد وبالتالي لن ينهي هذا الاتفاق الحرب الأهلية الدائرة هناك.”

وأضاف فارول: “حكومة عدن برئاسة الرئيس عبدربه منصور المدعومة من السعودية وقعت اتفاقا مع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات. لذلك، على الرغم من التوقيع فإننا نسميه اتفاق بين السعودية والإمارات العربية المتحدة.

وتابع: “كما ذكرنا في البداية، هذه الاتفاق ليس اتفاق يحل الحرب الأهلية الرئيسية والمشكلة الرئيسية في اليمن. تكمن المشكلة الحقيقية في الحرب المستمرة بين الحوثي المدعوم من إيران، والذي يسيطر على صنعاء، والحكومة الشرعية، المدعومة من التحالف الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية. ومع ذلك، اندلعت حرب أهلية ثانية عندما نشأت ميليشيا ترعاها الإمارات باسم المجلس الانتقالي لإقامة دولة منفصلة في جنوب البلاد، وخاضت اشتباكات مسلحة ضد حكومة عدن.

يهدف اتفاق الرياض إلى إنهاء هذه الحرب الأهلية الثانية، بينما تستمر الاشتباكات والخلافات بين جماعة الحوثي وحكومة عدن. ولذلك، فإن اتفاق الرياض لن يوفر للبلاد السلام والاستقرار بشكل عام، بل هناك شكوك جدية حول ما إذا كان هذا الاتفاق كافياً لحل المشكلة الجنوبية.

ومع ذلك، فإن المجلس الانتقالي ليس الكيان الوحيد الذي يمارس أنشطة سياسية في الجنوب، فقد تم تعزيز هذا الكيان وتمييزه إلى حد ما بفضل الدعم العسكري والسياسي والمالي لدولة الإمارات العربية المتحدة. ولكن هناك كيانات أخرى في المنطقة، أظهرت أنها غير راضيه عن حقيقة أنه تم التواصل مع المجلس الانتقالي فقط وتجاهلهم في الجنوب.

يمثل الاتفاق بداية خطة لتقسيم اليمن، فالمجلس الانتقالي هو كيان يهدف إلى استقلال الجنوب، لذلك يمكن أن ينهي الاتفاق المصادمات بين حكومة عدن وحركة الميليشيا الانفصالية في الجنوب، لكنه لا يوفر إطار عمل ملائم لحل المشكلة الجنوبية.

المصدر: ترك بوست