مجرد تصور .. قمة ماليزيا والتخبط الدولي

 

ترك بوست

 

خاص ترك بوست
عبدالفتاح أبوطاحون .. كاتب وباحث في الشأن الروسي

قمة ماليزيا التي تجمع تركيا واندونيسيا وباكستان وقطر وماليزيا، والتي يصنفها البعض لمواجهة التعنت الإسرائيلي .. هي على الأغلب ليس لمواجهة أي أعداء ـ ولكن لإرساء قواعد أولوية التعاون الذي يؤهل لنهضة إقتصادية تؤدي لتشكيل حلف اقتصادي سياسي في مواجهة الإستبداد الداخلي للدول الإسلامية المخطوفة وحماية أنفسها من عبث العابثين والهدامين من أنظمة هذه الدول وتآمرها وتطاولها .. ثم في نهاية المطاف بعد تشكل هذا المحور ومركزيته يمكن الحديث عن مواجهة مع أعداء محتملين .. لا يمكن دخول مواجهة واسترداد حقوق مغتصبة بدون تشكيل آلية لرص الصفوف ..
ولم تكن المحاولة هي الأولى من نوعها، فقد حاول السياسي التركي نجم الدين أربكان رحمه الله ارساء أساسات لمجموعة اقتصادية في أواخر التسعينات سميت (مجموعة الثمانية) أثناء توليه رئاسة الوزراء في العام 1996. وكانت فكرتها أن تتعاون ثمان دول اسلامية ذات ثقل ديمغرافي كبير في منظومة واحدة في مجالات حيوية مثل الصناعة والزراعة والعلوم والتكنولوجيا وغيرها، والدول المرشحة كانت تركيا، مصر، نيجيريا، ايران، باكستان، بنغلادش، أندونيسيا وماليزيا .. نجحت الفكرة كفكرة وكضرورة سياسية واقتصادية مُلحة، لكن المشروع أُحجم، ولاحقاً أبعد أربكان عن الحكم.
والجدير ذكره أن زيارات أربكان المحورية لكل من مصر وايران وليبيا ونيجيريا في اطار التحضير للمشروع أثارت حفيظة جهات في الدولة كانت من الأسباب التي أدت إلى قرار حل حزب الرفاه ..
لم يعجب الغرب وأعوانهم وأذرعتهم في المنطقة هذا التوجه الذي يحمل ملامح المركزية الإقليمية .. وكانوا دائماً له بالمرصاد .
لكن اليوم ليس من السهل على الأمريكان أن يفعلوا مع تركيا ما فعلوه مع العراق زمن صدام على سبيل المثال وليس المقارنة ..
فلو أرادت ان تحشد ضد تركيا (بضعة) دول وتستصدر من الأمم المتحدة قرار ضدها بحجة القضاء على (أسلحة الدمار الشامل)، أو بحجج او ذرائع أخرى واهية مُختلقة.. كل هذا لن يحدث بسهولة وربما من المستحيل حدوثه .. الدبلوماسية التركية تسير جنباً إلى جنب مع النهضة التركية ومع النمو الإقتصادي لها .. الوقت يوماً إثر يوم يصب في صالح تركيا .. ربما أول خطوة يمكن أن يقوم بها الأمريكان هي ـ إخراج تركيا من الناتو، واعلانها دولة غير صديقة للغرب ومعادية له، ثم استصدار قرار أممي يدين تركيا، ثم حصارها (حسب الآلية القديمة والمتكررة). حينها ستكون تركيا بمشيئة الله حصلت على الوقت الكافي الذي تصبو إليه والذي سيكون كافي لتحقيق نهضتها الشاملة والتي ستكون بها قادرة على الدفاع عن نفسها وعن مصالحها، كذلك ستكون قادرة على الوقوف في وجه من يقف في طريقها أو مصالحها طبعاً هي ودول المحور التي ستكون قد شكلته ..
فحتى تمكن الغرب في وقته من إسقاط العراق ــ حاصره تقريباً لإثني عشرة عام، ولم يكن الغرب يملك الجرأة للاحتدام مع العراق بعد حرب عاصفة الصحراء في بداية التسعينات رغم تفوقه العسكري، انتظر مستخدماً سلاح الحصار لتكون الحرب أقل تكلفة .. اليوم الغرب لا يستطيع ممارسة الحصار على تركيا في عملية تمهيد لإسقاطها كما فعل مع العراق .. والمواجهة معها بطريقة مباشرة على الأقل يتطلب اخراجها من الناتو أولاً، ثم حشد المجتمع الدولي ضدها عبر قرارات الأمم المتحدة كما تعامل مع العراق حينها. الذي يحتاج إلى ذرائع وحجج كانت موجودة عند الجانب العراقي في ذلك الوقت ولا توجد اليوم عند الجانب التركي.
فهو أي الغرب في مأزق ـ إن ترك تركيا وشأنها على ما هي عليه من تغيروطموح ـ كبرت وتمددت وأصبحت قطباً ومركزاً وقوة اقتصادية وصناعية وعلمية ذات وزن، ولجمعت حولها مجموعة من الدول مسلمة وغير مسلمة .. فالوقت في صالحها .. وإن تدارك الغرب نفسه وواجهها كلفه الأمر الكثير، سيما أن الدبلوماسية التركية تختلف عن الدبلوماسية العراقية في وقتها وتتفوق عليها بأضعاف، وتتقن الخروج من الزاوية وتتقن الهجوم والضغط على الخصوم.
ربما لن يعدم الغرب الحيلة في خلق الحجج والذرائع مادامت قد هرمت أدواته القديمة، ولا شك أنه سيبقى على ما عليه من التربص ونصب المكائد، لكن تبقى تركيا الحديثة بما حباها الله من رجال مدركين وساسة أوفياء ـ تبقى أفضل حالاً مما كانت عليه ..

المصدر: ترك بوست