ورقة بحث | تركيا.. بين القوتين الغاشمة والناعمة

خاص – تركيا بوست

تركيا.. بين القوتين الغاشمة والناعمة: تأثير التلفزيون والجيش في السياسة والتمدد الإعلامي

 

بقلم: طارق مصطفى القزق و فيصل كريم الظفيري

تضطلع هذه الورقة بمسألة التأثير الذي يحدثه التلفزيون خصوصًا ووسائل الإعلام التقليدية الأخرى، كالجرائد والإذاعة والمجلات على وجه العموم، وذلك في النطاق السياسي الواسع في الجمهورية التركية. كما أنها تناقش العلاقة بين هذه الوسائل والدولة العميقة التي يعد الجيش أكبر مكوناتها وأقواها على الإطلاق. وبالتالي لا بد من وضع تعريف لهاتين القوتين المؤثرتين. فأما “القوة الناعمة”، فهو مصطلح حديث ابتكره المسؤول الأسبق في وزارة الدفاع الأمريكية والأستاذ الأكاديمي جوزيف صامويل ناي[1] وأطّره في كتابه “القوة الناعمة” إذ شرح شيئا من هذا المفهوم الواسع، فقال:

“فما هي القوة الناعمة؟ إنها القدرة على الحصول على ما تريدعن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام أو دفع الأموال. وهي تنشأ من جاذبية ثقافة بلد ما وسياساته. فعندما تبدو سياساتنا مشروعة في عيون الآخرين، تتسع قوتنا الناعمة. ولقد كان لدى أمريكا الكثير من القوى الناعمة منذ زمن طويل. (…) فعندما تتمكن من جعل الآخرين يعجبون بمُثُلِك ويريدون ما تريد، فإنك لن تضطر إلى الإنفاق كثيرًا على العصي والجزرات (أي على عوامل الإرغام والإغراء) لتحريكهم في اتجاهك فالإغراء أكثر فاعلية من الإرغام على الدوام…”[2]

 

وهو ما تتطرق إليه الورقة من ناحية محاولة دراسة إحدى مظاهر هذه القوة المتمثلة بالتلفزيون وانتشار ظاهرة القنوات الفضائية الخاصة التركية بدءًا من عقد التسعينيات في القرن العشرين. فهي قوة تتمتع “بالجاذبية والإغراء” كما يصفها المفهوم وصاحبه، وتتحلى القنوات التلفزيونية بهذه القدرة إذا نجحت بالحصول على جمهور واسع النطاق وكسبت مصداقيته.

من ناحية أخرى، يقابل هذا المفهوم مصطلح “القوة الغاشمة”، الذي يُستخدم في معظم الأحيان كمصطلح عسكري، ويُقصد به القوة القهرية والتسلطية التي تفرض أسلوبها وإرادتها بكافة الوسائل وأهمها القوة العسكرية –و”الغشم” لغةً يعني الظلم والغصب والوحشية[3]. فيُقصد هنا الحكم العسكري المباشر وغير المباشر وذلك عبر الانقلابات العسكرية أو التهديد بها، وهو ما حدث مرارًا في تركيا وعانت من تبعاته البلاد وما جرّته عليها من ويلات وهزّات إقتصادية وإجتماعية وسياسية عنيفة، أدّت بتركيا إلى الانعزال الدولي والإقليمي في عدة مراحل وحقبات من تاريخها المعاصر.

بالإضافة إلى ذلك، تناقش الورقة الجانب الإعلامي من ناحية مفهومه الأوسع والأشمل وهو “تلك العملية التى يترتب عليها نشر الإخبار والمعلومات الدقيقة التى ترتكز  على الصدق والصراحة ومخاطبة عقول الجماهير وعواطفهم السامية والإرتقاء بمستوى الرأى  فوظيفة الإعلام الإبلاغ، الشرح والتفسير والتثقيف والإمتناع: فهو تعيير عملي لتكوين المعرفة والإطلاع والإحاطة لما يهم الإنسان فى كل زاوية من زوايا محيطة وفى كل مرفق من مرافق الحياته “[4]. وبناءً على هذا المفهوم الدقيق لوظيفة الإعلام التقليدي الذي هو عبارة عن وسيلة اتصال تهدف إلى التأثير على كافة أنواع الجماهير بغرض تثقيفهم أو إعلامهم بالأخبار التي تحدث من حولهم من أجل التأثير على سلوكياتهم وأفكارهم بغرض توجيهها نحو أهداف محددة سلفًا يصيغها القائم بالإتصال[5] حسب توجهاته وأفكاره وآيديولوجياته. ومن هنا تتضح طبيعة الإعلام الجماهيري من ناحية تأثيره الأحادي، أي التأثير على المتلقي من ناحية واحدة وعدم انتظار تأثيرٍ مرتد Feed Back من المتفرج، أو ربما عدم الاهتمام بذلك. وهو ما يجعل الورقة تطرح الأسئلة التالية:

  • هل ثمة علاقة بين السياسة والإعلام؟
  • ما هو دور الجيش في توجيه الإعلام؟
  • من هم القائمين على الإعلام التركي وما هي أهدافهم التي يسعون إليها؟
  • نوع ونمط الأفلام والمواد الترفيهية المعروضة.

ومن خلال هذه الأسئلة، تتناول الورقة نموذجين من القنوات الخاصة التركية سعيًا للحصول على صورة واضحة في هذه المسألة المعقّدة في الجمهورية التركية. كما لا تفوتنا الإشارة إلى أن الورقة تستقي بعضًا من معلوماتها من تجارب مشاهدات الباحثَين الشخصية للقنوات التركية بدءًا من حقبة التسعينيات وحتى وقتنا الحالي.

 

تركيا تغزو العالم العربي وتفتحه مرة أخرى. لكن هذه المرة ليس عبر القوة الصلبة كما فعل “خادم الحرمين الشرفين”[6] السلطان سليم الأول إثر معركتين غيرتا وجه التاريخ: الأولى معركة جالديران سنة 1514 م[7] عندما حيّد مؤقتا خطر الصفويين، أما الثانية فمعركة مرج دابق سنة 1516 م[8] حيث نجح بتطويع المماليك وأخذ مقاليد الخلافة من أخر خلفاء بني العباس

أما أتراك عصرنا هذا فيغزون العرب وبلادهم جميعًا من خلال قوة أخرى ناعمة، ألا وهي قوة الإعلام، لاسيما القنوات التلفزيونية التركية الرسمية والخاصة. لقد كان لنا، كما لكثيرين من الناس، فرصة الاطلاع على القنوات التركية الخاصة والحكومية بدءًا من منتصف تسعينيات القرن العشرين. فقد أخذت الأقمار الصناعية –مثل يوتلسات ثم تركسات وغيرهما- ببث القنوات التركية بمختلف أنواعها، ووصل هذا البث لمنطقتنا العربية وخصوصا دول الشام والعراق وشمال الخليج، سوى أن العراقيين حُرِموا من مشاهدة هذه التغطية نظرًا لأن النظام العراقي السابق منع الناس من اقتناء الأطباق اللاقطة.

كان بث القنوات الخاصة لا يتوقف تقريبًا خلال اليوم، على خلاف القنوات الحكومية TRT التي ينتهي بثها اليومي بُعيد الساعة الثانية عشر أو الواحدة فجرًا. في حين أن القنوات الخاصة يمتد بثها يوميًا إلى ما بعد الساعة الرابعة أو الخامسة صباحا وتستأنف بثها في التاسعة أو العاشرة صباحًا أيضًا في اليوم ذاتهحسب توقيت مكة المكرمة ومنطقة الخليج. كان هذا في التسعينيات عندما كانت معظم القنوات التي نعرفها تنتهي برامجها في آخر المساء، أما القنوات التركية فسهراتها لا تنتهي. أصبحت هذه القنوات الخاصة –فجأةً- شهيرةً شعبيًا. والمهم أن القنوات الخاصة التركية كالمذكورة آنفًا وكذلك Kanal D وقناة Star TV و ATV وKanal7 ثم لاحقا NTV وكذلك Fox إلى جانب عدد مربك من القنوات وصلت إلى حد التزاحم على الترددات المتاحة في كل قمر. لكن من الأفضل أن نشرح فنيًا هنا قليلاً من صعوبات حصول في شمال الخليج العربي كالكويت مثلا على بث واضح لهذه القنوات.

يتضح من خريطة التغطية لقمر يوتلسات في هذه الصورة أن بثه لا يكاد يصل إلى منطقتنا لأن تركيزه موجّه إلى منطقة وسط أوروبا وحوض البحر المتوسط ويستطيع الناس في تلك المناطق استقبال بثه بأطباق لا يزيد قطرها عن 120 سم (4 قدم) أما في منطقتنا، حيث شمال شرق شبه الجزيرة العرب، فنضطر إلى استخدام أطباق أضخم لكي نستقبل البث قد تصل إلى 215 سم (7 قدم) أو الأطباق المتحركة الأكبر (12 قدم) ويطلقون عليها مجازًا في شمال الخليج مسمى “شاش”.

فيما أن الأطباق الأصغر (7 قدم) لا يمكنها التقاط بث واضح لصورة القنوات لاسيما في الفترة ما بين الساعة 6 إلى الحادية عشر مساءً، لكن الصورة ما تلبث أن تتحسن شيئًا فشيئًا بعد ذلك. ولا بد أن يدرك القارئ الكريم أن بث القنوات الفضائية في تلك المرحلة التي بدأت منذ التسعينيات وحتى ما قبل الألفية الجديدة اعتمد على نظام البث التناظري أو التماثلي Analog وليس الرقمي Digital[9] الذي يُستخدم حاليًا. أما فكرتهما بشيء من البساطة أن التردد التناظري قابل للارسال والاستقبال فضائيا من خلال بثه بأجهزة إرسال خاصة إلى الأقمار الصناعية المنتشرة في الغلاف الجوي للأرض التي تعيد بثه في مساحات واسعة ليلتقطه كل من يمتلك طبق لاقط يحتوي في مركزه على مخفّض للتشويش ومعالج صوري LNB. أما البث الرقمي فلا يختلف سوى أن التردد الواحد بإمكانه نقل حزمة من القنوات تصل إلى عشر قنوات أو أكثر في التردد الواحد وبجودة صورة أنقى وأوضح وتكاد تخلو من التشويش، لكن البث الرقمي يشترط التغطية المركزة للبقعة التي يصلها البث، في حين لا يشترط البث التناظري ذلك فيمكن استقبال ترددات أقماره البعيدة لكنها ستكون غير واضحة أو مشوشة بطبيعة الحال. كنا نحاول تخفيف التقاط الأقمار التركية من خلال اقتناء جهاز استقبال (رسيفر) يحتوي على “فلاتر” لتقليل نقاط التشويش البيضاء، مع أن هذه الفلاتر تفسد الصورة عند ظهور أية ألوان براقة في البرامج والأفلام والمسلسلات.

هكذا كنا نرى صورة البث الفضائي في بعض الأحيان: جودة سيئة كثيرا

 

من جانب آخر، يشكّل ثقل تلك الأطباق عبئًا على أسطح المنازل الصغيرة، كما في المناطق الشعبية الفقيرة، حيث يستطيع المارة مشاهدة عدد من الأطباق المتكدسة في سطح كل بيت. وعلاوة على ذلك، فإن مشكلة التقاط مثل هذه الأقمار البعيدة تتعقد عندما نعلم أن بعض المناطق تقع على خط تيار الضغط العالي الكهربائي الذي يقلل بدوره من جودة استقبال صورة التغطية بنسبة تصل إلى 25 و30 بالمائة.

نتحدث هنا عن حقبة التسعينيات، وهي فترة الانفتاح الإعلامي واستغلال الفضاء لبث الثقافات والأفكار. ولعل الأتراك، بوسائل إعلامهم، احتلوا مساحة فضائية لا بأس بها في تلك الأقمار الأوروبية، إلى أن نجحوا بإطلاق أول أقمارهم الصناعية “تركسات” سنة 1996[10]. وإذا سأل القارئ الكريم لمَ كل هذا العناء لمشاهدة تلك القنوات، فسنقول الإجابة العامة التي تراود كل المشاهدين تقريبًا ألا وهي حالة الملل والتشبع من القنوات الحكومية وأخبارها الجافة، في حين يمكن في هذه القنوات متابعة ما لا يمكن متابعته في قنواتنا الجافة والمملة حيث استقبل المسؤول الفلاني وسافر الوزير العلاني، ثم تجد فيها من يمتهن التلقين والوعظ طوال الوقت بلا مصداقية على أرض الواقع، ناهيك عن نشر الأخبار غير الصحيحة والاكتفاء ببث ما ترتضيه السلط الحاكمة، إلى الحد الذي جعل كثيرا من الناس يطلق على القنوات الحكومية في بعض البلدان “(غصب 1) و(غصب 2)!” في إشارة إلى القنوات الرسمية المحتكرة للبث الأرضي في البلدان العربية والتي لا تزيد عادةً عن قناتين فقط. أما عبر القنوات التركية، كما يعتقد بعض الفئات الشبابية في حقبة التسعينيات مثلا، فيمكن مشاهدة البرامج الترفيهية والغنائية اللطيفة والأفلام التركية والأجنبية بأنواعها المختلفة، وكذلك متابعة أقوى المباريات والدوريات الأوروبية لكرة القدم والتي حرص جيل الشباب على مشاهدتها حيةً على الهواء، إذ تبث تلك القنوات معظم المباريات القوية بلا تشفير يشفط ما في الجيوب. وبطبيعة الحال، تمثّل هذه الأسباب دافعًا منطقيًا ومعقولاً لمعظم شباب تلك الحقبة لملاحقة تلك القنوات لأنها تلبي هوايات ورغبات ترفيه فشلت معظم القنوات التلفزية الرسمية بتوفيرها.

من المفيد هنا التطرق لمحتوى بث هذه القنوات لنربط ذلك بجانبين مهمين لقياس التأثير التركي الإعلامي على الوعي المجتمعي عمومًا، وهما كالتالي:

  • الجانب التغريبي الذي قدمته هذه القنوات، وما إذا وصلت إلى حد الغزو الثقافي.
  • انعكاس الواقع السياسي التركي خلال مرحلة تسعينيات القرن العشرين على هذه القنوات ومدى التأثير الذي وصلها منه وكيف أثر ذلك على توجهاتها وسياسات برامجها.

لعل هذين الجانبين يسلطان الضوء على مسألة السعي التركي لفتح الأسواق الإعلامية العربية، أو على الأقل محاولة تلمس درجة هذا السعي. وهل كانت تركيا خلال الثمانينيات والتسعينيات تدير للعرب ظهر المجن ولا تهمها سوى التوجّه نحو أوروبا والغرب وصولاً إلى تحقيق غايتها بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟ نعلم الآن أن هذا المشروع لم يُكتب له النجاح، إذ أن أوروبا هي من أدارت ظهرها لتركيا، مع أن الأخيرة قدّمت تنازلات كبيرة في قوانينها وتشريعاتها لكي تتناسب ودستور الاتحاد. إلا إننا نقصد تحديدًا تلك المرحلة بسياقاتها الموجزة والخاصة بظاهرة انتشار القنوات الخاصة التركية.

 

الجانب التغريبي

إن محاولة فهم الربط بين وسائل الإعلام التركية على وجه العموم والتغريب والغزو الثقافي الغربي والسعي نحو استيراد نمط الحياة والسلوك الغربيين واستيعابهما في المجتمع التركي لا يمكن له أن يكتمل إلا بالعودة لحقبة مؤسس الدولة التركية المعاصرة الجنرال مصطفى كمال الذي لُقّب لاحقًا بـ “أتاتورك” أي (أبو الأتراك). فبعد نجاح “الذئب الأغبر” بتأمين كامل الأناضول ومنطقة اسطنبول ومضيق الدردنيل وطرد الغزاة في الحرب العالمية الأولى[11]، عمل على تأسيس حزب الشعب الجمهوري صيف سنة 1923 ولجأ إلى فرض العلمانية والتوجّه نحو الثقافة الغربية بأسلوب متطرف لم تسلم منه حتى اللغة التركية التي تخلّى عن كتابتها بالحروف العربية كما دأبت على ذلك لقرون طويلة واستعاض عنها بالحروف اللاتينية، وهو ما لم يفهم معناه معظم الأتراك آنذاك. وتمثلت المفارقة في أن كثيرا من شيوخ وعلماء الدين في تلك الحقبة أمثال الشيخ سعيد النورسي والشيخ موسى كاظم وأحمد جودت باشا قد أيدوا مصطفى كمال في البداية حين انتفض بوجه الاحتلال، لكن ما لبثت حكومته أن أصدرت قوانين غريبة مثل قراءة القرآن الكريم بالتركية لا العربية، ورفع الآذان باللغة التركية في عموم البلاد[12] فانقلبوا عليه وحذروا الناس منه ومن خطره على الإسلام في تركيا، فرد عليهم بالاعدامات والسجن والتهجير والنفي.

صحيفة “جمهوريت” تعلن استبدال الأحرف العربية بالأحرف اللاتينية[13]

وتشي لنا هذه الخلفية الموجزة من بدايات تأسيس الجمهورية التركية الحديثة على أنقاض الدولة العثمانية بمدى سعي السلطة التركية الجديدة إلى بسط أدوات التغريب الثقافي في أوساط المجتمع. وإن جاز لنا القفز من هذه الحقبة إلى فترة التسعينيات –عند انتشار البث الفضائي- سنلحظ عدم اختلاف هذه النمطية في التفكير مع استخدام وسائل إعلام عصرية تحقيقًا لهذا المسعى. ولا نغفل عن حقيقة استمرار تأثير المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية، وهو ما سنفصّل فيه لاحقًا في هذه الورقة، وفي الوقت ذاته هيمنة تلك المؤسسة على وسائل الإعلام عمومًا والقنوات الجديدة خصوصًا. إذ رأينا آنذاك تناقضًا صارخًا بين منح كثير من القنوات الخاصة ذات التوجه المتحرر الترخيص للبث بسهولة، في حين أن القنوات ذات التوجه الديني قليلة ومعدودة على الأصابع.

سنتناول هنا تاريخ موجز لتأسيس التلفزيون التركي وكذلك انطلاق الأقمار الصناعية التركية ثم نعرّج على نموذجين من القنوات الخاصة وتأثيرهما على الواقع السياسي حتى نفهم جزءًا من الصورة التي تعكس طريقة هذه القنوات وأسلوبها بجذب المشاهدين وما هي الدوافع وراء ذلك. ولعل عرض هذه الصورة يكفي لتحقيق ما نرتجيه من فائدة.

 

التلفزيون التركي العام:

تأسست مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية فى عام 1964 لتقديم البث الإذاعى والتلفزيونى عن الحكومة ككيان قانونى مستقل بموجب قانون خاص. ومع التعديلات الدستورية فى عام 1972جرى تعريف المؤسسة بإنها مؤسسة إقتصادية “محايدة” مملوكة للدولة، ووفقاً لإحكام الدستور1982 أعيد تعديل قانون الإذاعة والتلفزيون التركى فى عام 1984. وبدءًا من سنة 1986ومع ظهور القنوات التلفزيونية الخاصة فى تركيا، رُفع الإحتكارالمفروض على TRT الذى إستمر حتى سنة 1990.

لكن قبل البث الرسمي، جرى بث تجريبي منذ سنة 1952 من خلال جامعة إسطنبول التقنية بقناة أُطلق عليها İTÜ TV واستمرت إلى أن أمّمتها الحكومة سنة 1971 وليس من المعلوم ما إذا تجاوز مدة بث هذه القناة الساعتين في الأسبوع كما بدأت بهذه المدة مع مرور الوقت[14]. بيد أن المؤكد أنها تعد أول تجربة بث في الشرق الأوسط على الإطلاق حسب ما نشر على الموسوعة الدولية. فمعظم تلفزيونات البلدان العربية -إن لم يكن كلها- بدأ بثها في أوائل الستينيات وليس قبل ذلك. لكن المشكلة الجوهرية التي اعترضت هذه القناة الوليدة ندرة وشح توفر أجهزة التلفاز في فترة الخمسينيات لدى عامة الناس، بالإضافة إلى مشكلة عدم توفر أجهزة بث مناسبة تكفي لتغطية مناطق تركيا الشاسعة، إذ يبدو أنها اكتفت بالبث في منطقة اسطنبول فقط. ومن الملاحظ أن هذه القناة تأثرت بانقلابي تركيا سنة 1960 وسنة 1971، إذ تذكر الموسوعة الدولية أيضًا أن بث القناة انقطع سنة 1960 وصاحبه “انقطاع التيار الكهربائي”[15] مع أحداث الانقلاب الدموي العسكري الذي أودى بحياة رئيس الوزراء آنذاك عدنان مندريس ورفاقه، ثم أُغلقت القناة نهائيا سنة 1971 إثر انقلاب قائد الجيش الجنرال ممدوح طاغماتش الذي أُطلق عليه “انقلاب المذكّرة”[16]. يبدو أن حرية عمل هذه القناة لم يعجب عسكر تركيا! على أية حال، قيل إن قناة (كانال دي) استحوذت لاحقًا في بداية التسعينيات على استديوهات قناة İTÜ وموقعها.

ومع تعديلات المادة 133 من الدستورسنة 1993، أُعيد تأسيس إستقلالية شبكة  TRT فى حين سُمح بالبث الإذاعى والتلفزين الخاص. أما اليوم، تقوم TRT   بتقديم خدماتها على أنها مؤسسة اعلامية عامة من خلال الاذاعة و التلفزيون ووسائل الاعلام الأخرى وفقا لقانون الاستقلالية و الحياد في الدستور التركي[17]. ومن الملاحظ  من خلال النبذة المختصرة عن مؤسسة الإذاعة والتلفزيون أنها تعرضت للإحتكار من قبل الدولة فى فترات عديدة أثناء فترات الإنقلابات العسكرية التى كانت تحتكرها الدولة لغرض التحدث بأيديولوجية خاصة بها.  ففى عام  1980 كانت الرؤية العسكرية للإعلام إنه من أهم أدوات التأثير على الجماهير، فلذلك كان يضع الإعلام والبرامج تحت رقابة سياسية وتتحدث بلسان الحكومة[18]. وهذا هو الخط التطورى للإعلام فى الجمهورية التركية، إذ يشهد مرحلة إنفراجة فى الفترات الرئاسية الديمقراطية، ثم مرحلة إحتكار فى فترات الإنقلابات العسكرية على المؤسسة التركية TRT. وبعد إنقلاب 1980 كان هناك فى كل مؤسسة حكومية مسؤول عسكرى يتابع نشاطها ويمارس الرقابة عليها ويتتبع توافقها مع سياسة المؤسسة العسكرية ومدى تطبيقها للمبادئ الكمالية العلمانية، ولم تتخلص البلاد من إحتكار المؤسسة العسكرية للمؤسسة الإعلامية إلا عقب التعديلات القانونية التي أُجريت سنة 2004. تمتلك هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية فى الوقت الحاضر 13 قناة تابعة لها. وهى قناة TRT الأولى  العامة، وقناة TRT  الأخبارية والرياضة وقناة صوت تركيا ويمتد بثها من الشرق الأقصى حتى البلقان حيث تشمل العالم التركى، وقنوات TRT للإطفال والوثائقية والموسيقى والدينية والكردية وكذلك المدرسية وقناة TRT3 وهى تبث برامجها بالتناوب مع تلفزيون مجلس الامة التركي الكبير وقناة تي أر تي الرياضية[19].

 

الأقمار الصناعية التركية:

بدأ فى تركيا ” أول قمر صناعى (turk sat 1B) وقدم خدماته خلال الفترة مابين 1994 إلى 2006. وإصبحت تركيا عضوا في المنظمات العاملة فى مجال الإقمار الصناعية (Intelsat) و(Eutelsat). وتعد شركة (Eutelsat) من الشركات الأوربية العاملة في مجال الاتصالات الفضائية. فى عام 1984بدأت  تركيا من خلال “محطة golbasi”  عبر القمر turk sat A.S”” بالبث للدول الأجنبية الأخرى، حين أسست الولايات المتحدة الأمريكية شبكة (INTELSAt)  فى أوربا وبدأت تركيا بالحصول على البث منها، وفى عام 1996 توقف القمر “turksat 1B”  وبدأ تشغيل  قمر “turksat 2A”  سنة 2001، وكان يقدم خدمة أفضل، وهو موجّه للجاليات التركية التى تعيش فى الدول الأوروبية  والدول الشرق الأوسط وروسيا. أما سنة 2006، فتم تشغيل “tursat A3″ وأطلق صاروخ القمر من القاعدة الفرنسية” ”kourou gayna  بواسطة صاروخ “أرينا “وهو يقدم خدمة أفضل وجودة أفضل فى البث عن غيره من الأقمار، ثم جرى إطلاق القمر الصناعى turksat4B”” حيث تم تحويل كافة الأقمار الصناعية القديمة فى ذلك القمر.”[20]

 

القنوات الفضائية الخاصة:

إن أول قناة خاصة ظهرت في تركيا هي قناة Star سنة 1989 وقد تدرج اسمها من Magic Box Star 1 (1989-1992) مرورًا بـ InterStar (1992-2002)وفيها الفترة التي عاصرها معظم مشاهدي شمال منطقة الخليج العربي والشام وشمال مصر برامجها، ثم وصولاً إلى اسمها الحالي (ستار تي في). وتتميز بأنها الناقل الحصري لبطولة دوري الأبطال الأوروبي، حيث يحرص كثيرون على مشاهدة هذه المباريات أيام الثلاثاء والأربعاء عند إقامة جولاتها المتعددة. والقناة تعرض هذه البطولة وبرامجها الأخرى بلا تشفير بطبيعة الحال.

لكن من المنظور العام، بدأت القنوات الفضائية التركية بثها وبرامجها فى بداية تسعينيات القرن الماضى، ومنذ صدور القانون الخاص بشأن القنوات الفضائية التركية حيث بدأت القنوات الفضائية الخاصة بالظهور أصبح من الواضح للعيان أن تلك القنوات لديها أيديولوجيتها الخاصة بها. لكن حديثنا يتركز على أهم القنوات الفضائية التى كان لها تأثير فى الحياة السياسية التركية، وذلك ليس وليد اللحظة. فمن نافلة القول إن السياسة تتدخل فى الإعلام عبر قنوات التلفزيونية الخاصة وملّاكها، إذ تمثّل هذه النمطية استمرارًا لإعتماد الدولة على وسائل الإعلام التقليدية مثل الإذاعة والجرائد. كانت الجرائد الحكومية والتلفزيون تعبّر عن فكر الحزب الواحد، ألا وهو حزب الشعب الجمهورى الذى أسسه مصطفى كمال. وعند دخول تركيا عصر التعددية الحزبية سنة 1945 و1946، بدأت تنتشر فيها الأحزاب وكذلك مارست نشاطها الدعائى والحزبى. وبالإضافة لذلك، فإن لكل حزب جريدته الخاصة التى تعبر عن فكره وآرائه. وكان للحزب الديمقراطى جريدة تُسمى “zafer”، حتى إذا دخلت تركيا عصر الإعلام والأقمار الصناعية أصبح هناك تنوع فى القنوات وفكرها وأيديولجياتها. وإذا أضفنا المؤسسة الإعلامية إلى مؤسسة الجيش بكونهما حراسًا للبوابة التركية، فإن دور الإعلام إنما يقوم على تنقية الرسائل الإعلامية والثقافية الموجهة لعموم الشعب، كما أنهما يعملان عمل الحارس للعلمانية التركية الكمالية. فمنذ 1993 سمحت الدولة بالملكية الخاصة للقنوات الفضائية والإذاعية. اليوم ثمة عدد كبير من محطات الإذاعة يصل إلى أكثر من 40 محطة قومية و110 إقليمية و1000 محلية ، وبعد أن بدأ البث التلفزيونى سنة 1968 بقناة واحدة، أصبح العدد يربو اليوم على 200 قناة تتنافس على جذب المواطن لمشاهدتها، ليس فقط لتوعيته وتثقيفه وإطلاعه على ما يجرى فى المجتمع ،بقدر ماهو للكسب المادى عبر الأرباح التى تجنيها من دعاية تقدمها الشركات الإنتاجية والخدمية[21] ولكن سنتناول أهم القنوات التى لها باع طويل فى الحياة السياسية التركية وتأثيرها على المجتمع.

 

النموذج الأول: قناة Show Tv[22]

بدأت هذه القناة بثها الفضائي مبكرًا في بداية التسعينيات وتحديدًا في الأول من مارس/آذار 1992. وتملّكها وقت بثها الأول إيرول أقصوي وخلدون سيمافي[23]، ثم انتقلت ملكيتها إلى مجموعة شركات جونير متعددة الأنشطة في السوق الإعلامي سنة 2013[24]. ويبدو أن أقصوي انشأ لاحقًا كذلك قناة [25]Cine 5 التي كانت تعرض الأفلام مشفرة، لكنها لا تشفر أول دقيقتين من الفيلم المعروض وكذلك آخر دقيقتين منه (حسبما نتذكر في منتصف التسعينيات) كوسيلة لجذب المشاهدين. واشترك الرجلان كذلك بتأسيس قناة ATV المعروفة[26]. ومن الملاحظ أن قناة (شو تي في) كانت تعرض في التسعينيات وتعيد عرض مسلسلات وأعمال قديمة ويفترض أنها شوهدت من قبل في الثمانينيات والسبعينيات مثل مسلسلات (تي. جي. هوكر) و(دوجي هاوسر) و”الفرقة الخاصة” S.W.A.T ودالاس و”ملائكة تشارلي”. وأغلبها أعمال عرضتها التلفزة الحكومية وقت صدورها، كما تؤكد الموسوعة العالمية[27]. وعندما نحاول تتبع سيرة أقصوي مثلا فسنجد أنه خريج هندسة إليكترونية من معهد ماساتشوستس في الولايات المتحدة سنة 1968، وحصل لاحقًا على ماجستير إدارة أعمال من كلية هارفارد لإدارة الأعمال. ثم عمل في القطاع الإقتصادي والمصرفي تركيا إلى أنشأ “بنك إقتصاد” سنة 1984[28]. وبالتالي هو شخصية ذو خلفية استثمارية وتجارية بحتة ودخل إلى سوق البث الفضائي والمجال الإعلامي والصحفي في وقت ذروته في التسعينيات. إلا أن المشاكل المالية وقضاياها طاردت إيرول أقصوي مع حلول الألفية الجديدة، ويبدو أن بعض قضاياه تطورت لتصل إلى المحكمة العليا في تركيا، إلى أن صدر بحقه حكم قضائي بالحبس لمدة 8 سنوات، كما تذكر صحيفة حريات التركية بعددها الصادر في 23 ديسمبر/كانون الأول 2015[29]. أما خلدون سيمافي فيأتي من جذور صحفية، فوالده سعدات سيمافي (1896-1953) كان من الوسط الصحافي في تركيا وهو من أسس صحيفة (حريت) الشهيرة ذات التوجه الليبرالي سنة 1948. وقد درس خلدون الصحافة في الولايات المتحدة، كما يذكر عنه باقتضاب موقع السير الذاتية التركي. وأكمل خلدون سيمافي إدارة صحيفة حريات بالمشاركة مع أخيه إيرول، لكنهما ما لبثا أن فضا الشراكة سنة 1968. أنشأ خلدون سيمافي في نفس السنة جريدة (غونايدون) التي كُتب لها النجاح والانتشار في البلاد إلى أن باعها إلى أصيل نادر سنة 1988[30]. ويبدو أن شراكة أقصوي وسيمافي جاءت بعد بيع أخوة الثاني 25 بالمائة من أسهم جريدة حريات إلى الأول سنة [31]1993. ومن هنا واصل هذان الشريكان إدارة قنة (شو تي في) بالإضافة إلى مؤسسات إعلام وقنوات تلفازية أخرى.

على الرغم من التشويش وعدم وضوح صورة القناة بسبب بعد نطاق التغطية كما هو مذكور آنفًا، إلا أن محتوى القناة الترفيهي لا يمكن أن تخطأه عين. لكن هذا الترفيه قد يتجاوز الخطوط الحمراء التي جُبِل عليها المجتمع التركي الشرقي. فثمة فرق واسع بين الجرائد والمجلات التغريبية التي قد تعرض صورًا خلاعية أو أن يذهب بعضهم إلى أماكن اللهو والرقص كالكازينوهات والكباريهات، وبين أن يعرض التلفزيون الذي يدخل كل بيت مثل هذا المحتوى غير المقبول حتى في الأعراف الغربية الطبيعية. لكن هذا ما حدث عبر سياسة برامج هذه القناة ومثيلاتها. فإذا تقبلنا عرض برامج ترفيهية تحتوي على حفلات غنائية وراقصة داعيةً فيها كبار المطربين والممثلين من أمثال إبراهيم تاتليس ومسلم غورسيز وإيبرو غوندوز وأورهان جينسيباي وبولنت أيرسوي وعدنان شينزيس، وكذلك النجم الشعبي جونيد أركان بطل الفيلم التركي الشهير Aslan Adam أو “الرجل الأسد”[32] والممثلة والمغنية هوليا أفشار، وغيرهم، فكثير من هذه القنوات خصص ساعات كاملة ليتفرد هذا النجم أو ذاك بغناء وصلاته الغنائية في وقت ذروة المشاهدة. لكن ما يصعب تقبله أو استيعابه أنه مع مضي الوقت وفي وقت متأخر من المساء تعرض هذه القناة –وغيرها- أفلامًا غربيةً تتدرج من ناحية التصنيف العمري Rating إلى أن تقدم أحيانًا كثيرة أفلام إغراء أوروبية وأمريكية، أو ما يُطلق عليها Erotic Movies. لكنها مع ذلك تلجأ إلى قص المشاهد الحميمية منها. لعل الغريب أن قناة Show TV تعرض كذلك أفلامًا تركية –وهي بدورها لا تخلو من اللقطات الخلاعية السافرة لاسيما أفلام السبعينيات وبداية الثمانينيات- في أوقات أبكر كبعد العصر أو الظهر، لكنها تعمل دائما على رقابتها وقصها عند العرض. ربما يعود السبب أن هذا الوقت من اليوم لا يصلح لعرض مثل هذه اللقطات –حسب منطق أصحاب تلك القنوات. غير أن من الواضح أن هذه الاستراتيجية لا تنمّ عن فهم لطبيعة المجتمعات الشرقية، ومنها المجتمع التركي مثلا، أو ربما تعرف هذه الطبيعة لكنها تسعى لكسرها وانتهاكها. إذ تختلف هذه المجتمعات التي تعيش فوضى إجتماعية وإقتصادية مزرية عن المجتمعات الغربية المنظّمة، فالأخيرة يلحظ المتابع لها نوعًا من الانضباط السلوكي، فالنشاط اليومي له مواعيد محددة وكذلك وقت التئام الأسرة وكذا وقت النوم المنتظم. وهو سلوك متبع منذ الصغر لدى جميع الناس تقريبًا وسارت عليه أجيال وراء أجيال بسبب حياتهم العملية والبراغماتية الإجتماعية. أما في مجتمعاتنا الشرقية، فتجد البطالة الفعلية أو المقنّعة متفشية، والناس بطبعهم الغالب غير جادين بحياتهم العملية نظرًا لإشكاليات إجتماعية وتربوية وإقتصادية وسياسية عديدة يصعب حصرها هنا. وهذا الجو العام يخلق سلوكيات حياتية عامة غير منضبطة (ليس بالضرورة غير أخلاقية)، فنرى الأطفال بسن السابعة والثامنة مثلاً يسهرون حتى الفجر لاسيما في أوقات العطل والأعياد والمناسبات الرسمية. فتخيّل طفلاً بهذه السن تقع عيناه على مثل هذه القناة في مثل الوقت المتأخر!

على أن قناة (شو تي في) وكما يبدو تغيرت سياستها البرامجية نسبيًا بعد ذلك. إذ لاحظنا أنه مع دخول الألفية الجديدة لم تعد القناة تعرض أفلام إغراء في آخر الليل، فمن الواضح أن القنوات الخاصة خضعت إلى قانون تنظيمي جديد يحدّ من الفوضى “الفضائية” التي سادت في التسعينيات. بيد أن (شو تي في) عمدت إلى سلك أسلوب أخطر.

 

رأينا انتشار مسلسل تركي تاريخي وعرضته عدد من القنوات العربية بدءا من سنة 2012 تقريبًا ويتحدث عن السلطان سليمان القانوني. المسلسل بعنوانه التركي Muhteşem Yüzyıl أي “القرن المجيد”، وهو مسلسل من إنتاج وتوزيع قناة (شو تي في) وبثته من سنة 2011 إلى 2014. لكن القنوات العربية غيّرت عنوانه إلى “حريم السلطان”. ومن اللافت أن القنوات العربية لم تلجأ إلى خبث صانعي العمل الأتراك، فالمشاهد عندما يسمع عن عمل تلفزيوني عن سليمان القانوني وبعنوان “القرن المجيد” فلا بد أنه سيحرص على متابعته للتعرف على تفاصيل تلك الحقبة المجيدة من عمر الدولة العثمانية، فهذا السلطان العظيم يُصنّف على أنه “آخر السلاطين العشرة الأقوياء” كما يصفه المؤرخون العثمانيون. لكن المشاهد سيخيب أمله عندما يرى أفكارًا أخرى تمامًا. غير أن القنوات العربية –على تفاهتها- تستحق الثناء لإبرازها الجانب الخبيث في هذا العمل الذي يستهدف إختزال حياة هذا السلطان العظيم وتقزيم إنجازاته الكبرى والتركيز على حرملك قصره وقصص أقرب إلى الخرافية على غرار ما قامت به “روكسلانة” وغيرها من دسائس في البلاط السلطاني وأمور لا ينفع العلم فيها بشيء. وقد زادت قنواتنا من تفاهة العمل بأن عمدت -غير مشكورة- إلى دبلجة العمل بلهجة محلية –مع احترامنا لهذه اللهجة- وليس للغة العربية. فغدا من المستحيل على كل من يحترم ذاته أن يتابع هذا الكم المتراكم من التفاهة وتشويه التاريخ.

 

ملامح التأثر الخارجي والتأثير الداخلي:

فى تقرير أعدته المخابرات التركية ،ونشرت مجلة “iki  yeni Doğru” جانباً منه، جاء فيه أن هذه المحطة التلفزيونية الخاصة تمثل قلقاً من زاوية الأمن التركى، وذلك لطبيعة برامجها الإخبارية والعادية ولصلات المساهمين فى رأس مالها مع أوساط المال اليهودية العالمية. علمًا أن معظم هذه البرامج يسعى للإثارة السياسية من جهة وإفساد الذوق العام من جهة أخرى، وذلك عبر المسلسلات والأفلام التي تعرضها والتي تحتوي على جانب كبير من الخلاعة بل وربما الإباحية (النسبية). ويذكر تقرير المخابرات أن الولايات المتحدة الأمريكية هى التى جائت بالفريق المشرف على المحطة إلى تركيا. كما يحدد الفريق المشرف صفات وصلات الفريق المشرف كما يلى :

  • إيرول أقصوى: متمول كبير يملك مصارف عدة فى فرنسا والولايات المتحدة وقد برزت شهرته عبر هذا الدعم الذى قدم له الممول اليهودى روتشيلد والفعاليات الصهيونية .
  • شركة بروفليو: ويملكها اليهودى التركى المعروف جاك قمحى وهو فى الوقت نفسه رئيس مركز العام ال 500) اليهودى
  • جيهان قوماندريت: يملكون شركة غرانديك.لجيفى قمحى (إبن جاك قمحى) علاقات وطيدة مع العائلة التى تملك الشركة والتى تعيش فى سويسرا.وهى عائلة يهودية
  • أحمد منير إيرتجون :ويحظى بدعم مجموعة مال يهودية تمسك بمؤسسة إنتاج تلفزيونية وموسيقية وسينمائية فى الولايات المتحدة الأمريكية.

ويُذكر أن نقطة الثقل المركزية فى هذا الفريق هى” إيرول أقصوى” ويملك الجميع شركات أخرى فى الولايات المتحدة الأمريكية بينها ست شركات لجيفى قمحى وحده. ويرى مصدر قريب من مجلس الأمن القومى التركى أن محطة show tv قد إنشئت فى إطار الجهود المكثفة التى تبذلها أمريكا ومجموعة المال اليهودية لممارسة مزيد من التأثير داخل تركيا وخارجها بعد حرب الخليج[33]. ومن خلال التقرير نكتشف وجود صراع بين رجال الأعمال ذوي التوجهات الإمريكية والسيطرة اليهود على المؤسسة الإعلامية من جهة والمؤسسة العسكرية من جهة أخرى وهي التى بالرغم من علاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وإنتهاجها منهج المحافظة على العلمانية التركية طبقاً لدستور 1982 وهى المادة 35** بأن يحافظ الجيش على علمانية الدولة ويحميها، الإ إن المؤسسة العسكرية ظلت على رغبتها العميقة والمتواصلة بأن تكون هى المسيطرة على المؤسسات الإعلامية والقنوات الفضائية الخاصة، إذ كانت هذه المؤسسة الإعلامية منافسة فى السيطرة على الفكر والثقافة الشعب التركى. يمكننا أن نرى أن القنوات الفضائية التركية الخاصة التى تتبع نهج العلمانية  لكن على الطريقة الغربية الأمريكية هى اليد الخفية للسيطرة الأمريكية على الشعب والثقافة التركية.

 

النموذج الثاني: قناة Kanal D[34]

تأسست قناة Kanal D في السادس عشر من سبتمبر/أيلول 1993، أي بعد ما ناف على عام من الزمان من ظهور قناة (شو تي في)، لصاحبها رجل الأعمال الثري آيدون دوغان الذي مازال يمتلك القناة منذ ذلك الحين[35] مع القانون التركى الذى يسمح للقنوات الخاصة للعمل عبر الإقمار الصناعية. كما أنه نجح بتأسيس “مجموعة دوغان” الإعلامية، وهي مؤسسة تمتلك صحفًا تركية وقنوات فضائية ذات توجهات ليبرالية وعلمانية مثل جريدة “حريت” و”بوستا” و”فانتيك” و”راديكال”.  أما فى مجال التلفزيون  فهى تمتلك قناة CNN Türk وkanal D بالإضافة إلى وكالة “أنباء دوغان جروب” وكذلك دار نشر دوغان وشركة دوغان للموسيقى. أما القناة المذكورة فقد سارت على النمطية ذاتها التي اتبعتها قناة (شو تي في) ومثيلاتها، من البرامج الترفيهية وعرض أفلام تركية منتقاة لا سيما من فترة السبعينيات والثمانينيات (أفلام متدنية المستوى في معظمها، تعرض قصصًا تافهة غالبًا وتركز على جوانب إغراء لا معنى لها كأفلام لممثلات من أمثال بانو ألقان وماجدة آر وهوليا أفشار وبحر أوزطان وغيرهن، والملاحظ أن هذه القنوات تقطع لقطات الخلاعة الكاملة -إن وجدت في أفلامهن- وتترك لقطات ملابس البحر والحميمية التي لا يكاد يخلو فيلم منها). ثم تعرض أيضا هذه القناة الأفلام الغربية الأمريكية بنصف مقص رقيب –إن جاز التعبير- لأن معظمها يعرض بعد السهرة وليس ما قبل وقت الذروة حين يتجمع معظم أفراد العائلة، ولنضرب مثلا بسيطا في ذلك.

عرضت قناة (كانال دي) في إحدى الليالي فيلم “البيانو” [36]The Piano للمخرجة النيوزلندية جاين كامبيون. وهو فيلم حاز على 3 جوائز أوسكار منها جائزتي أفضل ممثلة رئيسة (هولي هنتر) وأفضل ممثلة مساعدة (آن باكوين)، وترشحت للجائزة الكبرى (أفضل فيلم) ونافست فيلم المخرج الأمريكي ستيفن سبيبيرغ (قائمة شيندلر[37]). غير أن فيلم البيانو احتوى على مجموعة من المشاهد الخلاعية الحميمة بين السيدة الصمّاء التي تعشق البيانو والمتزوجة من أحد المتدينين البروتستانت وتعفّف من إتيانها أو حتى لمسها، وبين التاجر الذي ينتمي إلى السكان الأصليين في الجزيرة النائية من الأرخبيل النيوزلندي واستحوذ على البيانو بعد جلبه محمولاً على ظهر سفينة من أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر. فهي تريد البيانو وليس عندها من النقود ما يكفي لشرائه، والرجل يعاني من الانعزال والوحشة، فأخذ يساومها على كل مفتاح من البيانو بنزع قطعة من ملابسها. والبيانو فيه ما لا يقل عن 88 مفتاحًا، والنتيجة الحتمية لاستعادة كامل قطع البيانو هي أن تظهر عاريةً كما خلقها الله أمام الرجل، وما زاد على ذلك من فاحشة. فالقناة أظهرت خلعها لملابسها قطعة تلو القطعة، لكن رقيبها قصّ “ما زاد على ذلك” واكتفى باللقطات العارية فقط. وهو منطق غريب فعلاً، لأن الفيلم بأكمله مبني على قصة لا يمكن عرضها تلفزيونيًا لعامة الناس، لمجونها وشهوانيتها السافرة، بل إن عرض الفيلم وقطع جميع لقطاته الخلاعية سيجعله صعب الفهم ولا معنى له جملةً وتفصيلاً. لكن قناة (كانال دي) عرضته غير عابئة بهذا التشويه أو المحاذير. وهذا مجرد نموذج على سياسة واضحة المعالم وذات غايات تغريبية لا يختلف عليها إثنان.

على ذات المنوال، قناة (كانال دي) ومثيلاتها لا تكاد تعرض شيئا له طابع ديني. فهي لا تبدأ افتتاحها بآيات من القرآن الكريم، ولا تعرض تذكيرًا بآذان الصلوات الخمس، ولا حتى خطبةً مختصرةً في يوم الجمعة. والمفارقة الغريبة هنا في الوقت ذاته أن التلفزيون الإسرائيلي (القناة الأولى الرسمية) كان يعرض يوم الجمعة برنامجًا أسبوعيًا مدته ربما 20 دقيقة يظهر فيه شيخ مسلم ليلقي وعظًا دينيًا مختصرًا (وهو خبث صهيوني لا يخفى على أحد) في حين أن أصدقاءنا الأتراك لا يظهرون شيئًا من ذلك في قنواتهم الخاصة، اللهم في قنواتهم الحكومية TRT قد يعرضون شيئًا دينيًا في أيام الجمع وبعض المناسبات الأخرى فقط لرفع العتب. ونحن نتحدث هنا عن حقبة التسعينيات، ويبدو أن هذا الواقع قد تغيّر تغيرًا ملحوظًا.

 

عند تصفحنا لموقع الرسمي لقناة (كانال دي) تبيّن أنها انتجت مسلسلاً بعنوان Mehmet Cihan Fatihi  أي “محمد الفاتح”[38] من بطولة النجم التركي كنعان أمير زاليوغلو. ويبدو أن أحد القنوات العربية قد اتفقت مع (كانال دي) على عرضه بالتزامن معها مترجمًا. وتجربة قناة (شو تي في) بمسلسلها عن السلطان سليمان القانوني وتشويه تلك الحقبة  المجيدة قد تتكرر بهذا المسلسل الجديد الذي سُيبث في بداية سنة 2018. ويبدو أن القنوات التركية الخاصة قد فطنت إلى هذا الوتر الحساس الذي يلامس فؤاد الإنسان التركي المسلم فأخذت تتنافس فيما بينها بتناول صفحات مضيئة في تاريخ الدولة العثمانية ، لاسيما بعد النجاح منقطع النظير لمسلسل Dirilis: Ertugrul (النهوض: إرطغرل) الذي انتجته شركة أفلام تيكدين وعرضته القناة  الرسمية TRT، كما لا تفوتنا الإشارة إلى الفيلم الملحمي التركي ترجم عربيًا عدة ترجمات رسمية وغير رسمية وهو بعنوان “الفتح 1453”[39] من إخراج فاروق أقصوي الذي قدّم فيلمًا يعد الأول من نوعه لعرض معركة فتح القسطنطينية سينمائيًا، لكنه لم يخلُ من الصبغة التحررية نوعًا ما عبر عرض علاقات رومانسية لم تحدث ربما إلا في خيال صنّاع العمل. وبالتالي، فإن تناول القنوات الخاصة التركية لهذه القضايا التاريخية الكبرى قد ينتج عنها رواسب سلبية وتسليط ضوء على جوانب قد يرى أصحاب تلك القنوات والمنتجين والإعلاميين الأتراك فيها على أنها إنسانية ويمنح تجسيدها بعدًا واقعيًا لهذا التاريخ. لكن إذا تأتى ذلك على نسق مسلسل “حريم السلطان” فسيقع الخلاف لا محالة، ولهذا تعمل حكومة العدالة والتنمية من الجانب الآخر على إنتاج المسلسلات التركية التى تعبر تعبيراَ حقيقياً عن ثقافة وتاريخ المجتمع التركى لكي تحاول عمل نوع من الموازنة بين الخطين “التغريبي” والثقافي “الأصيل” الذين يتنافسان بوضوح على الساحة الإعلامية التركية وكذلك الفضاء العربي.

 

دور سياسي وإقتصادي غير خفي

نظمت قناة (كانال دي) حواراً مفتوحاً مع ممثلى الأحزاب ورجال الأعمال، بمن فيهم اليهود الأتراك، لمعرفة رؤية الأحزاب من العلاقات الإسرائيلية التركية المباشرة التى هى بالإساس قائمة على الاستثمار والتجارة. فكانت القناة تستثمر مع 43 شركة إسرائيلية فى مجالات مختلفة وكانت سبباً فى تحسين الوضع الإقتصادى التركى فى ذلك الوقت. وتلخص اللقاء بثلاث أراء فرأى اليمين الوسط أن تركيا ترعى مصالحها أولاً وأخيراً وتمثل اليسار الوسط أن لاتكون العلاقات الإقتصادية مع إسرائيل على حساب علاقاتها مع الدول العربية أما ممثل حزب الرفاة الإسلامى أن الإسلام يوجب التعامل مع جميع الكتابيين، وأنه مع توسع العلاقات الإقتصادية مع أية دولة إذا ترتب على ذلك مصلحة لتركيا ولايمس مبادئ العقائد الإسلامية[40] ويمكننا ان نستخلص من اللقاء أن القائم بالإتصال، أو ما يمكننا أن نطلق عليه إدارة القناة ومالكها، هو رجل أعمال هو يحاول أن يطمئن على مصالحه الإقتصادية فى ظل حكومة إئتلافية برئاسة حكومة إسلامية  ترفع شعارات إسلامية بالإضافة إلى محاولة إحراج الحزب الإسلامى الرفاه كونه  يعتمد على سياسة براجماتية وليس إسلامية. ولكن كانت إجابة حزب الرفاة أن مصلحة تركيا أولاً وأن التعامل مع شركات إسرائيلية لها تأثير فى الإقتصاد التركى، الذى عانى آنذاك من أزمات إقتصادية حادة، لابأس منه طالما لا يمس العقائد الإسلامية. وكانت القناة أيضاً سبباً في تأليب الشارع التركى على حكومة أربكان فى ذلك الوقت.

لم تكتفِ القناة بمحاولة تشويه حكومة أربكان من خلال إحراجه بوجود الشركات الإسرائيلية ولكنها أيضاً قامت بتشويه صورته أمام الشعب التركي والإعلام عن طريق الأخبار المفبركة والخاطئة التى كانت تُنشر فى ذلك الوقت من أجل محاولة تغيير وجهة نظر الشعب التركى تجاه الحزب والحكومة الأمر الذى يؤدى إلى الإنقلاب عليها.مثال على ذلك برنامج”كلمة فى صورة” الذى كان هدفه إجتزاء أحاديث أعضاء حزب الرفاه من السياق لكى يثبت للناس أنهم يريدون تأسيس الجهاد فى تركيا وهدم الدولة والنظام الجمهورى فى تركيا وكانو يعرضون مستندات المزورة  والمفبركة كدليل على فكرة ونظام حزب الرفاه التركى

استخدام مجموعة دوغان لممثلين وممثلات شهيرات مثل فاطمة جيريك في قناة (كانال دي) كما في كواليس هذا البرنامج التلفزيوني المخصص للهجوم على أربكان الذي يظهر في الشاشة الداخلية[41]

 

وإن كانت بعض القنوات الفضائية التركية بعد الإنقلاب على حكومة أربكان قد تحدثت عن تدخل الدولة فى محاولة تشويه وفبركة الأخبار ضد الرئيس أربكان، ولكن هذا لايمنع أيضاً تجاوب القنوات وتقاطع مصالحها مع مصالح المؤسسة العسكرية آنذاك خاصة أن الإعلام الحكومى لم يعد جاذباً فى تلك الفترة للشعب التركى وحلت محله القنوات الفضائية الخاصة. ولكن أيضاً كانت المؤسسة العسكرية تتجاوز القوانين وتتدخل فى السيطرة عليها. كانت طريقة تدخل المؤسسة العسكرية أما بشكل مباشر عن طريق الإنقلابات العسكرية أو عن طريق المجلس الإعلى للإذاعة والتلفزيون المختصر “RTÜK” الذى تأسس عام 1993 والذي يشرف على القنوات العامة والخاصة وله حق إيقاف البث إذا خالفت القناة قوانين البث وكذلك امتلك هذا المجلس الحق بأن يفرض العقوبات علي القنوات المخالفة، وإن كانت للدولة سيطرة على القنوات فكانت تلك من الوسائل التى مارستها المؤسسة العسكرية فى السيطرة على الإعلام خلال تلك الفترة. ولكن بعد التعديلات القانونية والدستورية التى تحدّ من سيطرة المؤسسة العسكرية على الإعلام، فالصراع بين المؤسسة الإعلامية والمؤسسة العسكرية هو الصراع على من يسيطر على الدولة. فمن يسيطر على الإعلام هو من يسيطر على الدولة. فالقضية لم تنتهِ بالتخلص من تدخل المؤسسة العسكرية فى السيطرة على نظام الحكم والإعلام والشعب التركى عبر الإنقلابات العسكرية بل أصبحت هناك جهات إحتكارية جديدة تحاول السيطرة على الشعب، وقد تكون سبباً فى توجيه الإخبار الكاذبة والمفبركة. فنجد أن مؤسسة دوغان الإعلامية هي المسيطرة على نسبة كبيرة من الإعلام بأشكاله المختلفة، وكذلك صناعة الأفلام وإنتاجها، والجوائز الفنية -مثل جائزة الفراشة الذهبية [42] altın kelebek- وأن إبتعادها عن المؤسسة العسكرية فى الفترة الحالية يعود لعدم وجود مصالح مشتركة معها ولمحاولة الإستفادة من السيطرة الإعلامية بشكل مستقل دون منافس أو قيود وتنفيذ أجندتها الخاصة بها التى تتوافق ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية. فبدلاً من الإعتماد الكلى للولايات المتحدة على المؤسسة العسكرية بالإنقلابات، أصبحت لها يد أخرى تستخدمها لتنفيذ سيطرتها على النظام التركى والشعب التركى، فإذًا المؤسسات الثلاث المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأعلامية المتمثلة فى مجموعات دوغان الإعلامية هى بالإساس تحركها المصالح الأمريكية  وخير مثال على هذا هو الصراع بينهما وضلوعهما فى  الإنقلاب الأخير فى تركيا. وقد أكدت بعض التقارير التركية أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت على علم مسبق بالمحاولة الإنقلابية. غير أن ملامح تورط الإعلام ومدى الارتباط بخيوط الانقلاب سوف تظهر شيئا فشيئا مع مرور الأيام. أما دور القناة قبل الإنقلاب العسكرى الفاشل فى عام 2016 فظهر جلياً وجود نوع من الصراع بين الحكومة التركية ومجموعة “دوغان جروب”، فبعض الأساليب الإعلامية التى إستخدمتها القنوات التركية قبل الإنقلاب أربكان تشابه الإساليب الإعلامية التى إستخدمتها قبل ذلك الإنقلاب، ونها على سبيل المثال لا الحصر:

  1. ما ذكرته الصحف التابعة للمجموعة أيدون دوغان أن الرئيس التركى يسعى إلى أسلمة المجتمع التركى وإنه المسلم المعتصب الذى يسير على أجندة غير صريحة، على حد وصفها.
  2. ومنذ عام 2008 شنت مجموعة دوغان حرباً على حزب العدالة والتنمية بسبب خطواته لتخفيف قبضة العسكر على الحكم ورفع حظر الحجاب فى الجامعات بالإضافة[43].
  3. “قضية دنيز فيرنى”: وهي القضية التى انتقد أردوغان من خلالها سياسة المجموعة مباشرة كما ذكر اسم صاحبه “أيدون دوغان” متهماً إياه بشن حملة إعلامية منظمة ضده بسبب رفض بلدية إسطنبول مشروع دوغان لبناء فندق جديد سنة 2008. إذ توحدت مجموعة الشركات أيدون دوغان التركية الضخمة بكامل أطقمها الإعلامية السمعية والمرئية والمكتوبة فى وجه رئيس الحكومة التركية بحملة ضروس عليه على خلفية فضيحة مالية باتت تعرف  بقضية  “دنيز فينيرى” وهى أكبر مؤسسة خيرية إسلامية[44]. وفى تلك الفترة، كان الذراع السياسى  للمؤسسة التركية الإعلامية والجيش هو حزب الشعب الجمهورى الذي تبنى القضية من خلال التلويح ببعض المستندات التى تدين الحكومة وكشفها فى تلك الفترة.
  4. أحداث ميدان تقسيم (غازى بارك) سنة 2013: كانت الصحف والمعارضة التركية من أشد المناؤيين للحكومة ووقفت إلى جانب المتظاهرين، على الرغم من أحداث الشغب وتكسير المحال وتخريب المساجد والتى كان سببها هو أن الحكومة رغبت فى بناء تجمع تجارى فى إسطنبول. هذا يجعل علاقة الذراع الإقتصادية المتملثة فى مجموعة “دوغان” وكذلك المعارضة والمؤسسة العسكرية تظهر بجلاء للباحث.. فعندما رفضت الحكومة التركية طلب مجموعة دوغان فى بناء الفندق فى عام 2008، إستخدمت الذراع السياسى فى تلك الفترة لتشويه الحكومة، ولم تظهر المؤسسة العسكرية بوضوح آنذاك، على أن مدى الصراع بين الحكومة والمؤسسة الإقتصادية الإحتكارية “دوغان” فى إستخدامها المعارضة والمظاهرات الشعبية ضد المشروع قد برز بوضوح. أما الإجراء الذي اتخذه الذراع العسكرى فظهر بوضوح من خلال إنسحاب الشرطة لكى يسقط النظام فى ذلك الوقت ويتدخل الجيش لإحداث إنقلاب عسكرى باستخدام المعارضة المضادة لحزب العدالة والتنمية الحاكم، خاصة حزب الشعب الجمهورى، الذي هو ليس سوى واجهة للمؤسسة الإعلامية الإقتصادية الإحتكارية وكذلك الجيش.
  5. نشر صحيفة “حريت” التابعة لمجموعة دوغان الإعلامية فى عام 2015 خبراً “الحكم بالإعدام على مرسى الذى أصبح رئيساً بفوزه بنسبة 52% من الأصوات “ووضعت تحتها صورة للرئيس رجب طيب في إشارة إلى أنه سوف يلقى المصير ذاته[45].

وبالإضافة إلى كل هذا، الرأي السائد الذى يؤكد تواطؤ المؤسسات الثلاثة الإعلامية إقتصادية والمؤسسة العسكرية فى فى الإنقلاب، ما كتبته الصحيفة التركية “حريت” تحت عنوان” سبع إجابات على سبع إنتقادات” حيث كتبت التقرير “هاندا فيرات” وهي المذيعة ذاتها التى عرضت كلمة الرئيس التركى على الهاتف المحمول ليلة محاولة الإنقلاب التركى، إذ كتبت فى ذلك التقرير “عن إلغاء وزارة الدفاع الوطنى الحظر المفروض على النساء من ضباط الشرطة وضباط الصف بارتداء الحجاب” وتساءلت ما إذا كانت القوات المسلحة على علم بهذه التغييرات. وأردفت أن مصادر عسكرية أكدت لها أن رئيس الأركان لم يشارك فى ذلك الترتيب[46]. وكان هذا التقرير يعد من أولى الإشارات لعدة أمور: أولها، أن الإنقلابات العسكرية التركية الكبيرة التى تكون ذات تأثير على المجتمع التركى تحدث دائما بعلم رئاسة الأركان ومعرفتها. وثانيها، محاولة التقرير الإشارة إلى أن حكومة الرئيس التركى سوف تغير النظام العام الذي يحرسه الجيش التركى ومن أمثلته عدم إرتداء الحجاب وغيرها من المظاهر العلمانية الأخرى، وهذا خروج على الكمالية التى يجب أن يحافظ عليها الجيش. وغيرها من المظاهر العلمانية الأخرى، وهذا خروج على الكمالية التى يجب أن يحافظ عليها الجيش. وكذلك عدم علم رئيس الأركان بالتلميح الاستفزازي الذي كتبته فيرات في الجريدة.  فما المصادر العسكرية التى أطلعت تلك الجريدة على عدم علم رئيس الأركان وهل من حق الإعلام أن يطلع على التغييرات الداخلية للنظام العسكري واللوائح الداخلية للترقيات؟! وهل هذا يعد دليلا على إن هناك من يرفض الإنقلاب العسكرى ومن يرفض تغيير المبادئ الكمالية داخل المؤسسة العسكرية؟ وعلى المنوال ذاته، لا يمكن إنكار وجود تنظيم فتح الله جولن، أو ماتطلق عليه الحكومة “الكيان الموازى” الذى يتغلغل فى الكيان الإدارى للدولة عموماً. لكن أرى أن الكيان الموازى هو صورة فقط أو مايمكننى وصفه بأنه فزاعة يستخدمها التنظيم الكمالى. التنظيم الكمالى هو الأعم والأشمل ولايؤسس أركانه الإ  بأربع عناصر:

  • قيادة عسكرية تحمي المبادئ
  • مؤسسة إقتصادية وإعلامية
  • مؤسسة دينية تعمل على تذليل المعوقات الدينية التقليدية التى تواجه الكمالية
  • تنظيم سياسى حزبى يقوم بتيسير أمور الدول

وهذا ليس غريباً ، فمصطفى كمال أتاتورك إستغل الدين لإسقاط الخلافة، وكذلك لترجمة القرآن ولتنفيذ مبادئه الكمالية عن طريق علماء الدين الكماليين (فقوة فتح الله جولن فى مقابل الألة العسكرية الضخمة شئ لا يذكر، فهو مجرد صورة للتنظيم كمالي ولكن خطورته تتمثل بإعتباره العقيدة البديلة وهى تعنى أن الإسلام العلمانى الليبرالى الذى يتسامح مع كل شئ وينفذ أوامر العسكرين ويجتزء الدين فى شكل أخلاق  وروحانيات، وليس منهج وثقافة تسيطر على المجتمع بإعتبارهما المعطيات الثابتة فى الدول.

  المؤسسة الإعلامية المتمثلة فى (الغرفة الشعبية): كان يوجد فى كل مركز ريفى فى تركيا فرع للمحطة الإذاعية المحلية وكان العاملون فيه ممثلون عن  الثورة الكمالية، وهم الذين يرشدون الفلاحين عن طريق وسائل مختلفة تتفاوت بين الإقناع والإكراه وفقاً للظروف[47]. فإستخدام الكماليين الإعلام والدعاية بكافة أشكالها من أهم أسس الكمالية وكذلك وجود الحزب السياسى الواجهة لتنفيذ المبادئ الكمالية المتمثلة فى حزب الشعب الجمهورى الذي كانت قوته تتجسد فى سيطرة القادة العسكريين عليه مثل مصطفى كمال وإينونو. ولكن عندما بدأت التعددية الحزبية ظهرت المبادئ التى إقيم عليها الحزب وهو ما لايستقيم أمره ولايقوى الإ بقائد عسكرى. لذلك دائما ًما يستنجد الحزب بالعسكريين ويطيع اوامرهم فى كافة المراحل التاريخية، ولكن أصبح الأن بسبب ضعفه واجهة لا أكثر. فإن الدماء الكمالية تأخذ أشكالا مختلفة ومتجددة تتمثل أساساً فى الإعلام والإقتصاد، وكذلك هيمنة بعض العناصر الكمالية داخل المؤسسة العسكرية التى ظهرت من خلال الإنقلاب العسكرى ووصولها إلى أعلى المناصب العسكرية، وكذلك إستمرار عملها خفياً داخل المؤسسة.

 

الفن في خدمة العلمنة أم في خدمة المجتمع؟

الفن هو رسالة، وهو في الآن ذاته قوة ناعمة تهدف الدولة من خلالها إلى التأثير على المجتمع والترويج لثقافته وتصييرها كثقافة عالمية ذات جاذبية تستخدمها فى تحقيق أهداف عديدة منها إقتصادية وثقافية وإجتماعية وغيرها من الإهداف التى تحاول الدولة من خلال الفن توصيلها إلى الناس. ولكن السيطرة الفنية داخل تركيا هى بالأساس تخضع لسيطرة مجموعة دوغان، وكذلك المؤسسات العلمانية التركية، فجائزة الفراشة الذهبية التى تقام كل عام فى تركيا والتى تشبه الأوسكار هى من تأسيس مجموعة دوغان الإعلامية بالإضافة إلى أشهر المسلسلات التركية فى الشرق الأوسط هى من إنتاج مجموعة دوغان ومجموعة show tv .

 

ملامح التأثير السياسي

ونحن إذ نناقش الواقع المذكور سلفاً، لا بأس من إلقاء مزيد من الضوء على التأثيرات التي وقعت بسبب تداخل الخط الإعلامي والتلفزيوني الخاص في الجانب السياسي والإقتصادي في الجمهورية التركية على وجه العموم. ومع أننا ناقشنا أعلاه جوانب سياسية واستراتيجية عديدة غير أن تسليط ضوء آخر على المسألة قد يفيد البحث من جوانب أخرى. ويُقصد بالتأثير السياسي مدى تأثر الشبكات التلفزية التركية المملوكة للقطاع الخاص بالواقع السياسي التركي في حقبة التسعينيات تحديدًا، وكيف تعاملت معه، وكيف أثّرت في ذلك الواقع تأثيرًا عكسيًا.

مع محاولتنا تسليط الضوء على طبيعة الواقع السياسي في تركيا ومدى تأثر القنوات الخاصة بذلك، فلا بد من الإشارة إلى أن من الطبيعي أن الحرية الإعلامية تتأثر سلبًا أو إيجابًا بالانقلابات العسكرية في أي بلد وليس فقط في تركيا، ويحدث ذلك عادةً قبل انتشار ظاهرة القنوات الخاصة الفضائية وبعدها. أما انقلاب 1997 فهو بلا شك استثناء من هذه القاعدة، فقد صنفه المراقبون على أنه “انقلاب نظري”[48]، غير أننا لحظنا أن القنوات الخاصة ساندت الانقلاب إعلاميًا مساندةً غير مباشرة وذلك لإسقاط الإئتلاف الحكومي الذي جمع بين رئيس حزب الرفاه نجم الدين أربكان وزعيمة حزب الطريق القويم تانصو تشيلر التي لاحقتها القضايا المالية وفضائحها منذ أن كانت رئيسة للوزراء آخر مرة سنة 1996. ويبدو أن البراغماتية السياسية هي التي سيطرت على هذين الزعيمين الحزبيين الذي يعد أحدهما قائد التيار الإسلامي في البلاد والأخرى تنتمي إلى حزب يميني علماني، لعل هذا التحالف غير المنتظر أربك الأوساط الإعلامية والقنوات الخاصة التي سعت فيما يبدو إلى محاصرة أربكان إعلاميًا، إلا أن الأزمة السياسية التي اندلعت بين تانصو تشيلر ورئيس حزب الوطن الأم مسعود يلماظ[49] أواخر سنة 1995 قد جعلت تشيلر تمد يد التآلف مع أربكان الذي اشترط رئاسته للحكومة، بحكم الأغلبية النسبية الضئيلة لنوابه في البرلمان، وبقاء تشيلر كنائبة رئيس وزراء، فوافقت الأخيرة على ذلك وأيدها الرئيس سليمان ديميريل في ذلك الوقت. لكن القوى العلمانية لم ترضَ بهذا الواقع الجديد، إذ إنها المرة الأولى منذ تأسيس الجمهورية سنة 1924 التي يتبوأ فيها سياسي إسلامي منصب رئاسة الحكومة، كما أن نجم الدين أربكان لم يرغب بتفويت الفرصة فاستعجل بطلب تعديل بعض القوانين التي تتحدى علمانية الدولة، وهو ما ألّب عليه قوى التغريب وجعل البلاد تغلي فوق صفيح ساخن مع حلول سنة 1997. وبدا من الجلي من خلال سلوك أربكان السياسي الجريء والقيادي أنه لم يكن يخشى ما أُطلق عليه “شبح مندريس”.

إلا أن زعيم حزب الرفاه سرعان ما أدرك أن شريكته في الائتلاف الحكومي تحوم حولها شبهات مزعجة ومحبطة، والكفة بينهما غير متوازنة. فهو شبه منبوذ إعلاميًا وتلفزيونيًا –لاسيما من القنوات الخاصة ذات الشعبية والرواج- في حين أن معظم الأضواء الإعلامية مسلطة على تانصو تشيلر، وهي امرأة رشيقة شقراء فاتنة الجمال ولا يظهر عليها الانزعاج من ملاحقة الكاميرات التلفزيونية لها حيثما حلّت. فنتذكر أن القنوات التركية مجتمعة عرضت رحلة شتوية لها -في إجازة رسمية كما بدا آنذاك- وهي تستعرض مهارتها بالتزلج على الجليد أثناء شراكتها مع أربكان في الحكومة. لكن مهارتها السياسية لم تسعفها بمواجهة تداعيات حادث سيارة صغير عمل على تزايد كرة الثلج التي نتج عنها انهيار مستقبلها السياسي لاحقًا.

أدّت حادثة اصطدام سيارة صالون بشاحنة على طريق بقرب بلدة سوسولروك[50] إلى وقوع أكبر فضيحة في التاريخ السياسي التركي المعاصر. فقد تبين أن الدولة وبعض أجهزتها الأمنية تدعم تمويل بعض نشاطاتها غير المعلنة من تجارة الهيروين لكي تشن حملة على حزب العمال الكردستاني واغتيال زعيمه عبد الله أوجلان. وعلى الرغم من إفلات تانصو تشيلر من أية إدانة بهذه الفضيحة، إلا أنها لم تنكر تغطيتها السياسية لمحمد آجار قائد قوات الشرطة الذي أصيب في الحادث المفاجئ وتكشّف من خلاله توظيف هذا الجهاز لقتلة ومجرمين من أمثال عبد الله جاتلي الذي كان في السيارة ذاتها، وهو ما أثار الرأي العام آنذاك واستنكاره لهذا السلوك المشين وغير المقبول من أجهزة رسمية للدولة[51]. ولعل بعضًا من القنوات التلفزيونية الخاصة أثارت هذه الحادثة آنذاك، لكن من غير المعتقد أنها توسعت في تغطيتها لهذه الحادثة وتداعياتها السياسية لاحقًا، نظرًا للرقابة التي تُمارس على مضمون البرامج السياسية للقنوات غير الرسمية.

وهكذا رأى نجم الدين أربكان أن وضعه السياسي برمته قد تضعضع، وليس فقط مركزه كرئيس للحكومة، بعد أن أتاه خبر انتشار الدبابات في العاصمة ومحاصرة مقر الحكومة والبرلمان، ونقلت القنوات التلفزيونية هذا المشهد الخطير، الذي صُنّف كرابع الانقلابات، بترحاب وسرور إعلامي ظنًا منها أنه انقلاب سيقضي على شأفة الإسلاميين الطامحين للسلطة. فآثر الرجل الاستقالة تجنبًا لسفك الدماء وتصعيد قد يؤدي لمأساة جديدة في بلاد لمّا تشفى من فظائع جراحاتها القديمة التي تسبب بها العسكر والتجاذبات والاستقطابات الإقليمية والدولية.

بعد هذا الانقلاب الجديد، انتهى الدور السياسي لنجم الدين أربكان وتانصو تشيلر ومسعود يلماظ معًا وإن بدرجات متفاوتة. وظل العجوزان سليمان دميريل كرئيس للبلاد وبولند أجاويد كرئيس للحكومة وتعاونا لفترة من الزمن –أو ربما أُجبر الرئيس اليميني ورئيس حكومته اليساري على ذلك- إذ ذاع صيت الأخير، قبيل انقضاء عمره السياسي، بعد نجاح أجهزة حكومته بإلقاء القبض على عبد الله أوجلان[52] زعيم حزب العمال الكردستاني في فبراير/شباط 1999 بعملية استخباراتية معقّدة بدأت من دمشق وانتهت بنيروبي حيث ضاقت الأرض على أوجلان بما رحبت، وما زال حتى هذا اليوم يقبع في سجنه مشدد الحراسة في جزيرة إمرالي حيث جنّبته التجاذبات السياسية التركية-الأوروبية المصير ذاته الذي واجهه عدنان مندريس ورفاقه سنة 1961 في هذه الجزيرة بالذات[53].

كانت حقبة التسعينيات من القرن العشرين في تركيا –بكل فضائحها وإغراءتها وسياساتها وتلفزيوناتها ورجالاتها وأحداثها- فترةً مختلفةً عما سبقها من ناحية الشكل لا المضمون. فكل الأطراف أخذت تولي أهميةً خاصة للظهور الإعلامي وعدم الاستخفاف به –كما فعل أربكان- أو عدم المبالغة فيه –كما فعلت تشيلر. فهو عصر شبه منفلت، لكنه كان ضروريًا لفهم كيفية ترشيد استخدام الأداة التلفزيونية وعقلنتها وجعلها تأوب إلى المصداقية في عقل المشاهد ووجدانه، وهي بمنزلة الجائزة الكبرى لأية قناة تلفزيونية محترمة. وها هي تركيا تتحرر وتنخلع، لا من ملابسها وشرفها –كما أراد بعضهم- بل من نير الاستبداد وثقافة “الخلاعة” المفروضة قسرًا والتهاون بالمبادئ والاستخفاف بالثقافة والأصالة الكامنة في أعماق الإنسان التركي. هنا فقط سندرك لماذا ظهر رجب طيب أردوغان يوم الانقلاب الدامي صيف عام 2016 في أشد القنوات ليبراليةً وتحررًا. إنه مجتمع يتغيّر ويتحرّر.

——————————————————————————————-

كتبه:

طارق مصطفى القزق

tarilkkazak@gmail.com

و

فيصل كريم الظفيري

faisal175@gmail.com

 

في الأول من يناير/كانون الثاني 2018

[1] https://en.wikipedia.org/wiki/Joseph_Nye

[2] جوزيف ناي. القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية. ترجمة: د. محمد توفيق البجيرمي. ص 12. ط 1. سنة 2007

[3] معجم الرائد

[4] عبير محمد حسين:الإعلام والإتصال  بالجماهير والرأى العام : طبعة 1984،ص22

[5] القائم بالاتصال: هو ضمن طاقم العمل مثل المعدين والمحررين والمخرجين والمنتجين وإدارة المؤسسة  بشكل عام الذين يقدمون رسالة إعلامية ثقافية معينة عبر المسلسلات والبرامج (الباحث طارق القزق).

[6] هو أول من تلقب بهذا اللقب الكريم بعد سيطرته على الحجاز ومصر

[7] https://en.wikipedia.org/wiki/Battle_of_Chaldiran

[8] https://en.wikipedia.org/wiki/Battle_of_Marj_Dabiq

[9] http://www.startimes.com/?t=119910

[10] https://en.wikipedia.org/wiki/T%C3%BCrksat_1C

[11] ثمة من يشكك بقوة في هذه الرواية والهالة الاسطورية التي أُسبغت على مصطفى كمال، وأن العملية لا تعدو كونها صفقة بينه وبعض القوى الغربية للجلاء من تركيا مقابل فرض العلمانية المتشددة على الشعب التركي المسلم. وعلى الرغم من عدم توفر دليل مادي على هذه الصفقة المزعومة، إلا أنه ما من سبب مفهوم لفرض كمال العلمانية وهو يدعي أنه طرد جميع الغزاة عبر القوات التركية التي جمعها بعد انهيار الجيوش العثمانية أواخر الحرب العالمية الأولى!

[12] من مقال في موقع “ترك برس” لكاتبته حسناء كلنج أرسلان https://www.turkpress.co/node/17632

[13] صورة مقتبسة من مقال في موقع “ترك برس” https://www.turkpress.co/node/17632

[14] يمكن الاطلاع على هذا التقرير التلفزيوني التركي لمعاينة تاريخ هذه القناة https://www.youtube.com/watch?v=R8iD0_kYQYk

[15] https://en.wikipedia.org/wiki/ITU_TV

[16] https://www.usatoday.com/story/news/world/2016/07/15/turkey-military-coup-history/87153106/

[17] http://www.trt.net.tr/arabic/content/Nbdh-Trykhy-Trt

[18] http://www.iscsjournal.com/Makaleler/630896808_3c3s_10.pdf

[19] http://www.trt.net.tr/arabic/content/Tlfzywn-Trt

[20] ibid ,p,9

[21] ياسر أحمد حسن  :تركيا البحث عن المستقبل: سلسلة العلوم الإجتماعية: مكتبة الأسرة: 2006

[22] موقع القناة الرسمي http://www.showtv.com.tr/

[23] https://g.co/kgs/aqgwe2

[24] https://tr.wikipedia.org/wiki/Erol_Aksoy

[25] المصدر السابق

[26] المصدر السابق

[27] https://en.wikipedia.org/wiki/Show_TV

[28] http://www.biyografi.info/kisi/erol-aksoy

[29] http://www.hurriyet.com.tr/erol-aksoya-8-yil-4-ay-hapis-40031060

[30] http://www.biyografi.info/kisi/haldun-simavi

[31] المصدر السابق

[32] http://www.imdb.com/title/tt0181966/

[33] محمد نور الدين، تركيا فى الزمن المتحول: قلق الهوية وصراع الخيارات، رياض الريس للكتب والنشر، طبعة 1997، ص183.

* القانون الداخلى  للجيش التركى هو الذى يحافظ على الإنجازات الكمالية وتطبيقها، لكن ألغيت هذة المادة بعد إستفتاء سنة 2010 وهو ما يمثّل نهاية لتدخل المؤسسة العسكرية فى المؤسسات الحكومية بالإنقلابات العسكرية. وأصبح فيما بعد تعديل القانون “أن الجيش يحمى حدود الوطن وصدّ الأعداء الخارجيين.”

[34] موقع القناة الرسمي https://www.kanald.com.tr/

[35] https://en.wikipedia.org/wiki/Kanal_D

[36] http://www.imdb.com/title/tt0107822/

[37] http://www.imdb.com/title/tt0108052/

[38] https://www.kanald.com.tr/yolculuk-basladi

[39] https://faisalkareem.com/2012/09/08/conquest-constantinople/

[40] رضا هلال: السيف والهلال من أتاتورك لإربكان: صراع بين المؤسسة العسكرية والإسلام السياسى، دار الشروق، طبعة 1999، ص176.

[41] وهنا رابط الفيديو في اليوتيوب https://youtu.be/e75lpjU-UCA

[42] http://www.hurriyetdailynews.com/golden-butterfly-awards-recognize-best-of-turkeys-tv-and-music-world-106092

[43] https://aawsat.com/home/article/697241

[44] http://www.kuna.net.kw/ArticlePrintPage.aspx?id=1937001&language=ar

[45] ://www.turkey-post.net/p-44006

[46] http://www.hurriyet.com.tr/karargah-rahatsiz-40376970

[47] رضا هلال : مرجع سابق تم ذكره، ص460

[48] http://www.aljazeera.net/encyclopedia/military/2015/7/11/%d8%a7%d9%86%d9%82%d9%84%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8a%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d9%83%d9%8a

[49] https://en.wikipedia.org/wiki/Mesut_Y%C4%B1lmaz

[50] https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%81%D8%B6%D9%8A%D8%AD%D8%A9_%D8%B3%D9%88%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%84%D9%88%D9%83

[51] https://en.wikipedia.org/wiki/Susurluk_scandal

[52] https://en.wikipedia.org/wiki/Abdullah_%C3%96calan

[53] https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A5%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A