القول الحديث في تاريخ مصر الحديث: الحكم العثماني في مصر بين الوثائق والاستشراق (3)

تركيا بوست

۞ مصر العثمانية في قراءة الدكتور حسن الضيقة: دحض المقولات الأيديولوجية الجاهزة

ويرى الدكتور حسن الضيقة في دراسته الشاملة والمميزة التي تفند القراءات الأيديولوجية المسبقة وتستحق منا اهتماماً بنقل رءوس أقلامها وفق لغته ما أمكن أن دخول مصر في منظومة الدولة العثمانية كان مخرجاً لها من المآزق السياسية والاقتصادية التي عاشتها عند منقلب القرن السادس عشر إذ كان وصول البرتغاليين إلى المحيط الهندي والإسبان إلى البحر المتوسط ذا آثار مدمرة بالنسبة لمصر في ظل حالة التفسخ التي وصلت إليها الدولة المملوكية، واستطاعت الدولة العثمانية أن تدفع الخطر عن شمال إفريقيا وأن تضع يدها على رودس وأن تطرد الخطر البرتغالي من البحر الأحمر فحققت بذلك عدة أهداف استراتيجية حكمت وضعها داخل المجال العربي لمدة ثلاثة قرون وهي كسر السيطرة الأوروبية وتوحيد البلاد العربية وإحداث تجديدات في البنى السياسية والاقتصادية والثقافية أدت دوراً فاعلاً في مقاومة التحديات الداخلية والخارجية التي شهدتها الدولة.

وبهذا لم يكن دخول مصر في الدائرة العثمانية مجرد تغيير نظام حكم بل كان تحولاً نوعياً، وقد أعادت الدولة العثمانية تشكيل النظم السياسية فوفرت نوعاً من المشاركة السياسية الكابحة للاستئثار بالسلطة وألغت الضرائب غير الشرعية واستكملت التجديدات على المستوى القضائي مما وفر الأمن وأزاح القوى المعيقة للوحدة ومنح شروط قيام سوق داخلية موسعة تربط أقاليم الدولة بشكل تكاملي.

 احتلت مصر مكانة خاصة في إطار الدولة العثمانية مكنتها من النهوض بدور مركزي داخل الولايات العثمانية، فقد كانت مصر هي المركز الذي تمر منه سياسة المواجهة العثمانية ضد القوى الأوروبية الطامعة بالسيطرة على المنطقة، كما نهضت مصر بتأمين احتياجات مكة المكرمة والمدينة المنورة في الحجاز، وقد حررتها السيادة العثمانية من الآثار السلبية لتحول طرق التجارة نحو المحيطات وأعادت انتعاش الطرق المارة بمصر، فكان هناك علاقة وثيقة بين قدرات الدولة وما قامت به مصر من أدوار، فلم يكن المجال العثماني مجرد متلق سلبي لسياسات أوروبا، ولهذا فإن الحديث عن دخول مصر والبلاد العربية طور الركود والانحلال في ظل السيادة العثمانية لا يمتلك أي مسوغ تاريخي من حقائق الصراع مع الغرب.

وكان هدف تحطيم السيادة العثمانية في جزيرة العرب والبحر الأحمر سياسة ثابتة للقوى الأوروبية المتعاقبة في المحيط الهندي ، وتمكن العثمانيون من مواجهة هذه السياسة بدعم من الطبقة التجارية في مصر والحجاز واليمن ، وقد تمكنت مصر من مواجهة الاختراقات الأوروبية سواء التي نتجت عن التحولات الخارجية في موازين القوى أو عن التنازلات التي قدمتها الطبقة المملوكية الحاكمة ، ووجدت مصر سندها في الموقع المركزي الذي احتلته داخل السوق العثمانية الواسعة مما أعطاها مكانة اقتصادية تنقض المقولة الشائعة عن دور مصر كمجرد وسيط تجاري دولي.

وتمثل دورها المركزي في احتكار تجارة البن العدني داخل السوق العثمانية مما منحها مورداً اقتصادياً رئيساً كما كانت المصدر الرئيس للسكر داخل الدولة وهو ما وسع عمليات الاستثمار الزراعي والصناعي في حواضر مصر وأريافها ، بالإضافة إلى صادرات الحبوب وعلى رأسها الأرز ، وهناك أيضاً السلع المصنعة كمنسوجات القطن والكتان ، وفي إطار هذا التكامل تم تحفيز الإنتاج والتبادل التجاري مع العاصمة والقسم الأوروبي من الدولة وجزر البحر المتوسط وولايات الشام وشمال إفريقيا والسودان خارج إطار وساطة السلطة المركزية ، وفي الظروف الحرجة كنقص المحاصيل وكوارث الزلازل والأوبئة كانت السلطة المركزية تتولى تغطية النقص في السلع الرئيسة في مصر من بقية ولايات الدولة .

وأكملت النظم التشريعية المحفزة لانتقال الأموال والأفراد دعم هذه الشبكة من العلاقات الاقتصادية بالشروط القانونية وهو ما جعل القاهرة مركز استقطاب للتجار والحرفيين من الشام والمغرب وإسطنبول فشهدت المدينة نمواً سكانياً ملحوظاً رغم كوارث الأوبئة التي وقعت بها.

ونلاحظ نمو الشريحة التجارية العليا واستثماراتها حتى بلغت الذروة في القرنين السادس عشر والسابع عشر وكان ذلك نتيجة ما وفره المجال العثماني من ظروف مواتية للنمو والازدهار التجاري ، وكان ضعف السلطة المركزية ذا أثر سلبي بسبب التناقض بين النزعات المملوكية الانفصالية عن المركز وميولها لنهب واستنزاف قوى السوق وتنازلاتها للقوى الأوروبية ولهذه الأسباب لا يمكن وصف اتجاهات السياسة المملوكية بأنها استجابة سياسية لصعود طبقة تجارية رأسمالية ويستحيل الحديث في هذه المرحلة من تاريخ مصر عن نواة رأسمالية مبكرة حيث كانت التوجهات السياسية الانفصالية معاكسة لمتطلبات ازدهار السوق ولهذا عانت الشريحة التجارية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر من الانكماش وليس النمو .

وبناء على ما وفره المجال العثماني الموحد وما نتج عن النزعات الانفصالية من آثار سلبية يتبين لنا خطأ القراءات الأيديولوجية الماركسية التي اختزلت الدولة العثمانية بصفات النهب والاحتلال وجعلت من صعود القوى المملوكية انتقالاً لحقبة تاريخية ذات طابع رأسمالي تقدمي بما فيها من انسجام مع السياسات الأوروبية لمغادرة مجال “الاستبداد الشرقي” ، وهي قراءة أيديولوجية لا تتفق مع حقائق وأرقام التاريخ حيث يتبين أن التنازلات التي منحت لبريطانيا وفرنسا كانت تستهدف تأمين الدعم السياسي للطبقة الحاكمة على حساب قوى السوق المحلية وهو ما جعل هذه الإجراءات آلية انحلال سياسي واقتصادي عملت القوى الأوروبية على استغلالها وتوظيفها لتوسع سيطرتها على المنطقة ، وإن تلك القراءة الأيديولوجية تحجب حقيقة الصراع بين دورة السوق الداخلية والسياسات الأوروبية المعتدية لصالح وجهة نظر موهومة تتخيل الصراع بين مصالح السوق المصرية ومجال السوق العثماني الموحد، وهو ما يضفي في النهاية الطابع التقدمي على سياسات الخضوع لأوروبا.

وفيما يتعلق بالريف المصري ينقل الدكتور الضيقة عن المؤرخ الاقتصادي شارل عيساوي أن الريف المصري شهد منذ بداية الفتح العثماني إلى منتصف القرن السابع عشر فترة ازدهار متميزة مقارنة بما سبقها وما لحقها وكان سببها السياسة العثمانية التي اعتنت بالإنتاج الزراعي من نواحي التشريعية والقضائية والضريبية، وكان نظام الأمانات يعطي القاضي صلاحية الإشراف الإداري الذي يمنع الإدارة المالية من ظلم الفلاحين.

وإضافة إلى اعتدال النظام الضريبي فقد كانت معظم مال الخزانة يصرف داخل الولاية ولا يصل منه إلى العاصمة العثمانية سوى الربع، وتشير الحقائق السابقة إلى المرتكزات التي أمنت التوازن لوضع الفلاحين:

  • تحرير الإنتاج الزراعي من الأعباء الضريبية التي وضعها الجهاز السياسي العسكري دون مبررات تشريعية.
  • كان الحضور الفاعل للسلطة المركزية عامل توازن في توزيع الضرائب وهو ما ينفي مقولة الاستبداد الشرقي أو نمط الإنتاج الآسيوي التي تؤكد على الطبيعة الاستئثارية للفائض الإنتاجي، حيث نجد العلاقة عكسية بين تركيز السلطة واحتكار الثروة.
  • وجود جملة من التقنيات التي تتحكم في توزيع الضريبة بين احتياجات السلطة المحلية واحتياجات الأهالي المتنوعة.

ورغم أهمية الإنتاج الزراعي وموقعه المركزي في الحياة الريفية، فقد وجد إلى جانبه نشاطات حرفية ثابتة ن صناعات الفخار والأنسجة الصوفية والقطنية والحصر التي كانت تكفي الريف وتغطي جانباً من احتياجات السوق العثمانية، وإلى جانبها كان هناك صناعات الزيوت وتقطير ماء الورد وملح النشادر الذي يصل جزء منها إلى أوروبا، والبارود والسكر والبيض.

 وظل هذا التوازن مستمراً إلى منتصف القرن السابع عشر إلى أن أدى ضعف السلطة المركزية إلى الصعود السياسي للقوى المملوكية ذات النزعات الاستقلالية ولكنها لم تكن ذات طابع تجديدي بل تعبير عن عملية تفسخ القوة المركزية وامتداد لذلك، وكان استئثارها بالقوة والثروة على حساب السلطة المركزية والمجتمع الأهلي المنتج أيضاً، وجاء استغلالها مضاعفاً باستجابتها لسياسات الاقتحام الغربية على حساب المجتمع، وتحول نظام الالتزام الذي خلف “التيمار” و”الأمانات” نتيجة سوء التطبيق إلى مدخل لصعود القوى العسكرية وطبقة الأعيان وقيامها بانتزاع قدر من الاستقلالية السياسية على حساب الحكم المركزي ما منحها فرصة انتزاع فائض مالي لا تقره التشريعات القانونية بالاشتراك مع شريحة قبطية عليا على حساب حصة الدولة والفلاح المسلم والقبطي معاً، وفقاً لدراسة الدكتور محمد عفيفي عن الأقباط في العصر العثماني، وذلك لتلبية حاجات السلطة المحلية الاستهلاكية ومتطلباتها السياسية والعسكرية بصفتها الخارجة عن السلطة المركزية وهو ما جعل الوضع في هذه الفترة شبيها بوضع الدولة المملوكية قبل الدخول العثماني وأصبح اتجاه عملية الإنتاج الزراعي نحو الركود والانهيار وهروب الفلاح من أرضه.

تؤدي هذه المعطيات إلى دحض القراءة الماركسية الرائجة التي تحمل صعود المماليك فيضاً من الدلالات الإيجابية التي تتعارض مع الواقع كتصويرها بأنها ظاهرة رأسمالية واعدة تشبه المركنتيلية الأوروبية (المرحلة التجارية من الرأسمالية التي مهدت الطريق لنهضة أوروبا وثورتها الصناعية) في زمنها وهي قراءة تسقط أحكامها الأيديولوجية والنظرية بشكل متناقض فترى نشوء رأسمالية داخل حركة المجتمع في ولاية مصر على غرار الرأسمالية الأوروبية وفي نفس الوقت ترى النزعة المملوكية للاستئثار بالسلطة أحد شروط نشوء هذه الرأسمالية ، وعلى كل حال فهذه القراءة تضفي على التحول المملوكي مغالطات تتعارض مع واقعه الطفيلي والانفصالي والانعزالي والذي لا يشير إلى أي ظاهرة تجديدية والادعاء بتعايش الطبقة المملوكية مع التجار والصناع يكذبه واقع أن ازدهارهم ارتبط عضوياً بوحدة السوق العثمانية وتصدي العثمانيين لسياسات التطويق الأوروبي ومحافظتهم على أحد مرتكزات الازدهار التجاري المصري وهو طريق البحر الأحمر الواصل بين مصر والجزيرة العربية ومن هنا كان الاتجاه المملوكي الانفصالي ضربة مميتة لدور التجاري المصري ولا مكان للحديث عن تعايش أو دعم متبادل بين المماليك والتجار والصناع كما لا نلحظ أي تطور في الصناعات اليدوية التي تخيلتها القراءة الماركسية إرهاصاً رأسمالياً ، ذلك أن التوسع الحرفي الحقيقي حدث في الماضي استجابة لاحتياجات السوق العثمانية ولم يعرف القرن الثامن عشر أية عملية تجديد في بنى الإنتاج في أوجهها التقنية أو التنظيمية سواء بسبب الاضطرابات الناجمة عن تفكك السلطة المركزية أو بسبب عزوف أصحاب رءوس الأموال عن الاستثمار في النشاط الحرفي، كل ذلك يؤكد التناقض بين سياسات السلطة المملوكية ومتطلبات السوق التجارية والحرفية، وما زاد تفاقم الأمر علاقة المماليك بالغرب واستقواؤهم بالدعم الروسي والبندقي والأوروبي الذي سعى للولوج إلى البحر الأحمر ومن ثم تفكيك إحدى مرتكزات الدورة الاقتصادية المصرية التي مكنها العثمانيون منذ الفتح من السيطرة على تجارة التوابل ثم البن ومنع الأوروبيين من ذلك ومن إقامة علاقة مباشرة بين أوروبا والهند عن طريق السويس ما أعطى ضمانة ثابتة للسوق المصرية والحجازية، ولهذا لقي فتح المدن المصرية أمام السفن البريطانية معارضة السلطة العثمانية والتجار في مصر والحجاز معاً، وأدت سياسة الارتهان الخارجية للسلطة المملوكية إلى استنجاد قوى المجتمع المصري بالسلطة العثمانية للتخلص من المماليك إلى حد تصور حسن باشا الذي أوكلت إليه مهمة القضاء على المماليك وكأنه “مهدي العصر” كما يقول الجبرتي، ولكن فشل إزاحة المماليك أدخل مصر في أسوأ مراحل تاريخها في ظل الدولة العثمانية وهو العقد الأخير من القرن الثامن عشر.

“بالمحصلة بقيت ولاية مصر حتى الحملة الفرنسية تستمد نقاط توازنها وقوتها من ارتباطها بحقل سياسي واقتصادي أمّن لها دوراً مميزاً، كما سمح بنشوء تراتبية اقتصادية واجتماعية شديدة التباين داخل فئات وشرائح المجتمع المصري. أما فيما يتعلق بدرجة التغلغل الاقتصادي والسياسي الأوروبي، وسيطرته المتصاعدة على تجارة المتوسط واختراقه للبحر الأحمر، فإنها لم تستطع أن تحدث اختلالاً أساسياً في توازنات السوق الداخلية…”

ولهذا كان على أوروبا أن تكثف جهودها لإحداث الاختراقات المطلوبة في الداخل العثماني، وهو ما بدأ بالحملة الفرنسية على مصر التي قلبت وضع الطرف العثماني من الهجوم إلى الدفاع، والطرف الأوروبي من الدفاع إلى الهجوم واتحدت مواقف شرائح شعب مصر في مقاومتها منذ لحظة دخول الفرنسيين الإسكندرية إذ سارع جميع الأئمة إلى قراءة فرمانات السلطان سليم الثالث وفتحت أبواب المواجهة الشاملة مع كافة قوى المجتمع المصري، وإذا كان البعض قد اختار التعاون مع المحتلين سواء من المشايخ أو الأقباط فإن مواقفهم كانت معزولة في محيطهم، إذ كان العلماء هم مركز الثقل في المقاومة، وحتى من لم ينخرط فيها كان موقفه سلبياً من الاحتلال الذي لم يلق أي تجاوب في المجتمع الذي قاوم كل بما يتفق مع موقعه مع التأكيد العام على أن مصر ولاية عثمانية، ومن هنا كانت القراءات التي جعلت الدولة العثمانية ضمن القوى الاستعمارية المتنافسة على مصر أو التي قسمت المواقف المقاومة والمتعاونة والحيادية إلى أقسام متساوية قراءة مضللة تستهدف قسر الحوادث وصبها في قالبها الأيديولوجي دون سند من الواقع، فإسقاط الصفة الاستعمارية على الدولة العثمانية التي أنقذت كافة الولايات العربية من الاحتلال الغربي لمدة قرون لا يتفق مع الحقيقة بالإضافة إلى أن مشكلتها زمن الحملة الفرنسية لم تكن في منافسة بريطانيا وفرنسا بل في عجزها الآن عن حماية مجالها وبهذا أصبحت صفتها لا في سعيها لامتلاك مصر بل في عجزها عن مواجهة المستعمرين، أما قراءة المواقف المصرية بصورة محرفة تجعل المقاومة فعلاً تابعاً “للاستعمار التركي” على نفس مستوى التعاون مع “الاستعمار الفرنسي” فهي قراءة لا تراعي الوزن الحقيقي لهذه “التيارات” وهامشية المتعاونين مع الفرنسيين حتى في الوسط القبطي كما تغفل مواقف المقاومين الذين لم يكونوا تابعين للسلطة بأي حال، ويفند الدكتور الضيقة هذه القراءة العائدة للويس عوض وقراءة الأستاذ أنور عبد الملك التي عجزت عن التمييز بين الولاء للدولة العثمانية وهو الموقف الجامع لكافة قوى المجتمع المصري وبين الخضوع لسياسات السلطة وهو موقف اختلفت بشأنه الآراء ووصل الخلاف حد الخروج عليها دون أن يعني ذلك خروجاً عن الدولة نفسها، ومن هنا الاستنتاج بقصور القراءات التي اعتمدت مقولة الاستبداد الشرقي أو نمط الإنتاج الآسيوي والتي تجعل السلطة هي المهيمن الشامل الذي يحدد وظائف كل تكوينات المجتمع، أما في الحقيقة فمن الخطأ معادلة السلطة بالدولة حيث أن السلطة هي إحدى حلقات الحقل السياسي العام وفي ضوء ذلك تكون الصفة الجامعة للعلماء على اختلاف توجهاتهم هي العمل على تأمين وحدة الدولة اقتصادياً وسياسياً بصفتها الممثل المعبر عن الشريعة-الأمة.

 بادرت الدولة العثمانية إلى مقاومة الغزو الفرنسي بكل ما تملك من قدرات، ولكن موقع ضعفها جعلها مهزومة دائماً إلا حين انتصر والي عكا على الحصار الفرنسي، فلجئت إلى طلب الدعم الخارجي لتعديل ميزان القوى، وعملت السياسة البريطانية على دعم القوة المملوكية لقطع الطريق على فرنسا ومنع العثمانيين من تثبيت سلطتهم على مصر، وكانت شريحة المماليك في حاجة للدعم الخارجي لأن الشرعية تعوزها في مواجهة السلطة المركزية والأهالي أيضاً بعد استئثارها بالسلطة والثروة ثم هزيمتها أمام الغزو الاستعماري، فوجد الإنجليز والفرنسيون ضالتهم فيها وصارت مرتكز السياسات الأوروبية بهدف تفكيك الدولة العثمانية والسيطرة عليها، فاستجابت للدور الذي رسم لها بما يتعارض مع المصالح الرئيسة لدورة المجتمع العثماني سواء في السلطة المركزية أو المجتمع الأهلي الذي دافع عن انتمائه العثماني وعد دفاعه عن الدولة دفاعاً عن النفس وقام بالتصدي للاستعمار والمماليك دون أن يكون ذلك رضوخاً بلا مغالبة لسلطة الباب العالي.

والغريب بعد كل هذا قيام مدارس التغريب الليبرالية والماركسية والقومية بالنظر إلى الكتلة المملوكية متخشبة البنيان والعاجزة عن أي تجديد والمستقوية بسياسات الاستعمار على أنها قوة استقلالية نهضوية تنتقل بالمجتمع مما قبل الرأسمالية إلى الرأسمالية وأنها قوة تؤسس لدخول المجتمع العربي عهد التحديث والتنوير وهي مقولة لا سند لها في الواقع عندما نرصد مسار التحولات التاريخية وهي مجرد موقف أيديولوجي متمم للغة التنوير الاستعمارية، ويلاحظ أن الدكتورة نللي حنا توصلت إلى نفس هذه النتيجة أيضاً عن النتائج السلبية لسياسات المماليك ودورهم في إجهاض حركة الرأسمالية التجارية بالضرائب الثقيلة التي فرضوها على المجتمع وبتحالفهم مع التجار الأجانب الذين غزت بضائعهم السوق المصرية مما تسبب في إفقار الطبقة الوسطى [36]، وقد أظهرت المواجهة ضد الحملة الفرنسية تفكك وتآكل شرعية القوة المملوكية في نظر الأهالي الذين غدوا بعد الاحتلال أكثر تمسكاً بالانتماء العثماني [37]، وبهذا تنتهي قراءة الدكتور حسن الضيقة.

يتبع..

 

الهوامش                      

[36]-نللي حنا، 2004، ص 18.

[37]-حسن الضيقة، دولة محمد علي والغرب: الاستحواذ والاستقلال، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، 2002، ص 57-140 و 151-152.