القول الحديث في تاريخ مصر الحديث: الحكم العثماني في مصر بين الوثائق والاستشراق (1)

تركيا بوست

ساد الحديث زمنا عن “الاحتلال العثماني” وبعضهم زايد بصفة “الاستعمار التركي” للبلاد العربية، ونال القطر المصري نصيبا موفورا من التهم التي صُبّت على الدولة العثمانية ووصفتها بالاستغلال استنادا إلى ما سطّره المستشرقون، وراج الحديث عن استغلال تركي بالتبعية والجزية والتجنيد، وطال زمن الاتهامات إلى وقت قريب، ولكن بعد التحري وفتح السجلات تبين أمر آخر مغاير تماما لما ساد الاعتقاد به دهرا طويلا، فماذا قال المؤرخون المحدثون؟ وما هي أحكامهم المستجدة والموثقة؟ نبدأ بالتسلسل:
۞السلطان والمستشرق
وسم العداء علاقة الغرب بالدولة العثمانية طالما كانت الدولة قائمة سواء في وضع يهدد أوروبا كما كان الحال عندما كان العثمانيون في طور قوتهم، أو في وضع التراجع والضعف كما كان حالهم في القرن الأخير من عمر دولتهم، واستمر هذا العداء حتى لحظاتها الأخيرة عندما اشتبكت في الحرب الكبرى ضد الحلفاء وانتهى الأمر بإصرارهم على القضاء على الخلافة الإسلامية كما سبق شرح ذلك في دراسة: علاقة الغرب بإلغاء الخلافة الإسلامية.
كانت الدراسات الاستشراقية في ذلك الزمن تمارس دورها في تسويغ الهيمنة الغربية على الشرق المكون أساسا من الدولة العثمانية، وكان هذا التبرير يتم بتحريف صورة الآخر بما يناسب عملية مواجهته أو السيطرة عليه بآليات سبق شرحها في دراسة: أدوات الاستئصال المعرفي: كيف يؤدي الاستشراق وظيفته التحريفية؟ المنشورة على الشبكة.
وكما هي عادة الغرب الذي يصحو ضميره بعد فوات الأوان ويكتشف حقيقة ضحاياه بعدما يفرغ من عملية القضاء عليهم، حدث للدولة العثمانية كما حدث للهنود الحمر، إذ اكتشفت الدراسات الأكاديمية الأوروبية كثيرا من الجوانب الإيجابية فيها بعد انقضاء عهدها وزوال عمرها، وبدأ المستشرقون بفتح السجلات والوثائق في أرشيف الرجل المريض الذي توفي ليكتشفوا أنه لم يكن وحشا كما تصوروه أو بشعا كما ظنوه، وفي ذلك يقول المؤرخ العربي زين نور الدين زين :”إن معظم الذين ألّفوا في التاريخ التركي لم يكونوا يجهلون وفرة الوثائق التاريخية التي يجب أن يطّلع عليها الباحث في هذا الحقل وحسب وإنما كانوا، بصورة عامة، على كثير من التحيز والتعصب. فقد كتب هارولد بوون (Harold Bowen) يقول [1945] : “…فيما يتعلق بالتعميمات الجارفة التي كانت تصدر عن بعض الكتاب الذين عالجوا القضية فإننا نلاحظ أن معظمهم كانوا يخبطون خبط عشواء أو أن التعصب كان يخفي الحقيقة عن أبصارهم [1]، ويقول الأستاذان هرولد جب (Harold Gibb) وهارولد بوون (Harold Bowen) في مقدمة كتاب “المجتمع الإسلامي والغرب” (Islamic Society and the West) [1969] “إن كثيرا من الآراء الشائعة فيما يتعلق بتاريخ تركيا ومصر في القرن الثامن عشر هي آراء خاطئة، آراء كنا نحن أيضا نأخذ بها عندما أقدمنا على كتابة هذا البحث. ولذا نرى واجبنا الأول هو عرض الوثائق والمعطيات التي جعلتنا نبدل رأينا في هذا الأمر تبديلا تاما” [2].
ويقول المؤرخ الفرنسي روبير مانتران [1969]: “ظلت الفترة العثمانية من تاريخ مصر، تُعامل كما لو كانت أحد الأقارب الفقراء لهذا التاريخ. وحين نتصفح المؤلفات التي تناولت هذه الحقبة، فإننا نلاحظ أن تناول حقبة كهذه بلغت ثلاثة قرون من تاريخ مصر، قد اقتصر – حتى عهد قريب- على عدة فصول هزيلة، كما أنه كان يتم من زاوية لا تقدم إلا كل ما يثبط الهمم، ويعود هذا إلى حقيقة أننا ظللنا نعتمد أساسا ولفترة طويلة على يوميات أو حوليات لم تكن تقدم عن التاريخ الحقيقي لمصر إلا بعضا من الأخبار البالغة السطحية كما يعود بالمثل إلى أن مؤرّخي الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر –وخاصة ابتداء من جوزيف فون هامر (Joseph Von Hammer)- قد اقتصر تناولهم لتلك الحقبة على أحداثها العارضة فكانوا يلحّون بشدة في بعض الأحيان على الاضطرابات والاغتيالات وحوادث العصيان والتمرد.. إلخ الأمر الذي جعل العثمانيين يبدون في أسوأ مظاهرهم مما ساهم في اتهامهم بأنهم قد أغرقوا مصر في فوضى سياسية واضطراب مالي، وبأنهم جرّوا إليها الخراب الاقتصادي منذ مجيئهم وحتى قدوم حملة بونابرت”.
ماذا قبل الحملة الفرنسية؟
ثم يتحدث عن الذين يجعلون من الحملة الفرنسية بداية لتجديد مصري لأنه لم يكن هناك شيء في مصر قبل هذا التاريخ “لكن الواقع يثبت عكس ذلك”، لقد ظهر إلى النور قبل تاريخ الحملة الفرنسية تيارات تجديد دينية وثقافية عديدة، ونحن مدينون لمؤلفات حديثة عن مصر العثمانية أعطتنا معرفة أقرب “نتيجة لاكتشاف ودراسة وثائق الأرشيف” مثل مؤلفات جان ديني قبل أربعين عاما من كتابة هذا الكلام [أي منذ نهاية العشرينيات] الذي كان “أول من أرسى دعائم تاريخ بالغ الجدة والعمق بدراسته: موجز الأرشيف التركي بالقاهرة” ثم أكمل مسيرته “وبأستاذية فذة” المؤرخ ستانفورد شو بدراسته عن النظام المالي والإداري في مصر العثمانية [1958] [3].
وجاء في التعريف بكتاب “المدن العربية الكبرى في العصر العثماني” للمؤرخ الفرنسي أندريه ريمون [1985]: ـــ أندريه ريمون، مؤلف هذا الكتاب، يعد مرجعا أساسيا لكل الدارسين والباحثين في التاريخ الاجتماعي-الاقتصادي والعمراني للعالم العربي بفضل معرفته الوثيقة به وبفضل عديد من الدراسات الميدانية الجادة التي أنجزها.ـــ وفي دراسته هذه، الأولى من نوعها، ينطلق المؤلف من نقطة بدء جديدة كل الجدة: فالمدن العربية الكبيرة: القاهرة وحلب ودمشق وبغداد والموصل والقدس وتونس والجزائر، شهدت أثناء العصر العثماني ذروة تطورها حيث تأصّلت العمارة العربية وأثْرت، وتعزز الاستقلال الذاتي للجماعات المختلفة نتيجة لتنظيمها على أسس مهنية وعرقية ودينية، في ظل تجارة مزدهرة، وطوائف مهنية قوية” (الناشر) [4].
وكتب الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم وهو يؤرخ للاهتمام بالتاريخ العثماني في مصر أنه بدأ في نهاية القرن التاسع عشر لتوضيح الدور الذي قامت به الدولة العثمانية الإسلامية في تاريخ الكثير من البلاد العربية، ولكن هذه الكتابات الأولى اعتمدت على الكتابات الأوروبية السابقة عليها دون الاعتماد على كتابات العصر ووثائقه، وكانت تلك الكتابات الأوروبية التي اعتمدوا عليها من كتابات بداية العصر الاستعماري وهدفها أن تثبت للعرب أن الدولة العثمانية سبب تخلّفهم، وذلك لتمهيد الطريق للاستعمار الذي كان يتطلع إلى بلادهم، إلى أن بدأ حال الدراسات العثمانية بالتغير مع الأستاذ محمد شفيق غربال في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين والذي دعا إلى الاهتمام بتاريخ مصر العثماني وتنقيته مما شابه من افتراءات [5].
وفي هذا الموضوع أيضا يقول الدكتور رؤوف عباس إن العصر العثماني في مصر عانى من الإهمال وقلة اهتمام المؤرخين العرب والمصريين لأسباب منها انبهارهم بالتغيرات التي حدثت في زمن محمد علي باشا وميلهم إلى تفسيرها بالمؤثرات الحضارية التي جلبتها الحملة الفرنسية التي حركت “الركود” الذي عانت منه مصر في العصر العثماني، وهو اتجاه روّجه المستشرقون ومن تأثر بهم من مؤرخين صاحبوا نشأة الجامعة المصرية، فتأثرت الكتابات المحدودة عن العصر العثماني بما أشاعته المدرسة الاستشراقية من صفات الجمود والركود والاضمحلال والتخلف التي لصقت بالمجتمع العربي على تبايناته والمجتمع المصري خاصة نتيجة إهمال المصادر الأولية والركون إلى التعميمات الاستشراقية حتى نشأت أجيال صاعدة فتحت الوثائق والسجلات ونقدت المفاهيم الاستشراقية ودحضتها وبينت فساد استنتاجاتها عن العصر العثماني، وهو ما جعلنا نشعر بالحاجة إلى إعادة اكتشافه بل إعادة النظر في فكرة الحداثة نفسها والبحث عن عوامل التطور الذاتي في مجتمعنا والتي لم يكن الغرب باعثا إياها بل معرقلا لها [6].
وسأورد فيما يلي من صفحات مقتطفات من الآراء الجديدة التي توصلت إليها المدارس الحديثة لاسيما الآراء العربية، والمصرية خاصة، التي بنيت على دراسة الوثائق فيما يتعلق بموضوع البحث الحالي دون الادعاء أنني سأتمكن من حصرها فالمهم هو الإشارة إليها لبيان عمق الهوة التي تفصل العلم الحديث عن مدعي تقليد الغرب في بلادنا والذين ما زالوا يرددون أقوال الاستشراق القديم لأنها تلبي حاجات برنامجهم التغريبي الذي لا يرون له استقرارا إلا بشيطنة تاريخ الإسلام ولو بطريقة تخالف الأعراف العلمية المعمول بها لدى سادة الغرب أنفسهم.

۞ مكانة مصر العثمانية
يقول المؤرخ “ستانفورد شو” إن مصر كانت منذ دخول السلطان سليم الأول واحدة من أهم الوحدات داخل المنظومة العثمانية، فقد كانت ترسل الضرائب بشكل مباشر إلى مركز الدولة دون وساطة ملاك الأراضي العسكريين (التيمار) الذين طبق نظامهم في الموانئ المصرية وحدها، وكانت محاصيل مصر تطعم المدن الكبرى في الدولة كما كانت تفعل من قبل للدول التي حكمت المنطقة، كان السكر والرز والعدس وغيرها من البضائع المصرية تصل من مصر بالبر والبحر لكفاية حاجات إسطنبول ومدن الأناضول، وكثير من الذهب الذي استخدمته الدولة لسك عملتها جاء من السودان وإفريقيا الوسطى خلال مصر، كما كانت مصر تزود الجيش العثماني بعشرة آلاف جندي جيد التدريب سنويا، وقد فتح هؤلاء باسم الدولة العثمانية جنوب الجزيرة العربية وسواحل الحبشة ودافعوا عنها في مجمل المشرق من اليمن إلى شمال إفريقيا، وكانت المدن المقدسة في الحجاز تأكل وتلبس وتحمى من الخزينة المصرية، ومن الموانئ المصرية انطلقت الأساطيل العثمانية للدفاع عن المحيط الهندي وخليج البصرة والبحر المتوسط [7].
۞ تهمة “الاحتلال العثماني” قومية قبل زمنها بشهادة انتفاء تهمة “الاحتلال” المصري
ولكن هل كان هذا استعمارا أو احتلالا كما حلا لمدرسة التغريب الزعم رغم أنها بررت الاحتلال الأوروبي؟ ولماذا أثير هذا السؤال حول الفترة العثمانية وحدها مع أنها مجرد امتداد للتاريخ الإسلامي الذي شهد كثيرا من التمازج القومي وحكم سلالات تركية وفارسية وكردية وشركسية في بلاد عربية لم تنظر إلى هؤلاء الحكام المسلمين بأي استهجان قومي؟ ولعل مثال محمد علي باشا يوضح المقصود فقد تولى حكم مصر وهو ليس مصريا لا عربيا بل أوروبي مسلم ومع ذلك فرضته الجماهير المصرية على السلطة المركزية في إسطنبول، وما زال الفكر القومي العربي يحتفي بمشروعه إلى اليوم بمفارقة عجيبة إذ لم يكن الباشا يتكلم اللغة العربية، ولما بدأ مشروع التوسع وغزو الشام والأناضول رحبت به الجماهير في تلك الولايات بصفته منقذا ولم يقل أحد إنه احتلال أو استعمار مصري بمفهوم الوصف الحديث، وكانت الثورات عليه بعد ذلك وعملية تحجيمه في إطار سياسي لا علاقة له بهذه المفاهيم القومية، فلماذا لا يذكر من يتحدثون عن “الاحتلال العثماني” أن مواطني الدولة العثمانية في الأناضول نفسه رحبوا بالجيوش المصرية بصفتها منقذة لهم وللأمة الإسلامية؟ (*) أليس هذا دليلا على غياب التقسيمات القومية التي يحاول البعض دسها في أزمنة مغايرة؟ وهل يمكن أن يستوعب التاريخ إسقاط مشاعر وأفكار لاحقة على فترات سابقة لم تسد فيها هذه المقولات؟
بداية يجب الإشارة إلى أن قرون التاريخ الإسلامي لا تصلح لإسقاط أفكار التمايز القومي أو حتى الحدود الوطنية والقطرية كما يحلو للبعض أن يفعلوا، فهناك من يذهب إلى رفض أن تخرج من مصر ضريبة لمركز إسلامي حاكم يقع في خارج الحدود المصرية الحالية، ويذهب التعصب للحدود إلى مدى القبول بالسرقة الداخلية وتفضيلها على أي كيان وحدوي كبير لمجرد امتداداته خارج الحدود التي رسمها المستعمر الأجنبي، أي أن منطق “الاستقلالية” نفسه قائم على الاستسلام للأجنبي وهو ما يدعي الهروب منه ورفضه، وفي الوقت الذي يرفض صاحب هذا الزعم دفع ضريبة خارج الحدود تراه يلهث خلف الحياة بجنسية أجنبية قد تكلّفه دفع ثلث أو نصف دخله ضريبة لحكومة أجنبية معادية ولا يقدم هنا أي اعتراض على أن يدفع الساكن في كاليفورنيا في أقصى الغرب الأمريكي ضريبة لحكومة تقع في واشنطن في أقصى الساحل الشرقي، هذا كله مقبول ومستحسن، أما دفع ضريبة لحكومة إسلامية مركزية تقدم الكثير من الحماية والخدمات للجميع مما سنراه لاحقا وتنفق معظم الضريبة محليا فهذا ما ترفضه شياطين الكرامة المزعومة!
وأقول إن التاريخ الإسلامي بقرونه الطويلة لا يصلح للإسقاطات القومية والوطنية كون هذه الأفكار لم تكن قد نشأت بعد في الأصل [8]، وحتى لو كانت إيجابية فلا نستطيع البحث عن اختراع لم يحن وقته في زمن مبكر كمن يروم رؤية التلفاز في العصر العثماني ، هذه كلها إسقاطات مبكرة، فلا يمكن وصف دولة المماليك “بالسلطنة العربية” كما ذهبت بعيدا بعض الكتابات القومية الحماسية [9]، كما لا يمكن وصف الدولة العثمانية بالدولة التركية وفقا للتقسيمات القومية الحديثة، إذ أن العثمانيين أنفسهم لم يعرّفوا انتماءهم بالتركي وكانوا يرون أنفسهم دائما مختلفين عن الأتراك [10]، دولتهم ذات طابع إسلامي استمد رموزه من اللغة العربية [11] وإدارتها متنوعة الأعراق وليس فيها ما هو تركي خالص إلا في أواخر عهدها، وقد تمكّنت من الازدهار مختلف الشعوب داخلها [12]، ولم يكن هذا هو الحال في أي امبراطورية استعمارية ولم تكن تلك هي صفاتها، ولهذا فإن كل النقد الذي بني على الالتزام بالقوميات والحدود الوطنية لا يصلح تطبيقه على التاريخ العثماني.
والدليل على غياب التقسيمات القومية والصفات الاستعمارية في عالم التاريخ الإسلامي زيادة على ما سبق الاستشهاد به من تنوّع السلالات الحاكمة في العالم العربي، أنه في مصر نفسها كان الحكم العثماني استمرارا إداريا وعرقيا للحكم المملوكي الذي لم يصفه أحد بالاحتلال بل لقد وصف بالعروبة كما سبق رغم أن حكامه كانوا من الأتراك والشركس ثم جاء العثمانيون وتركوا النخبة المملوكية الحاكمة على وضعها بالإضافة إلى أسلوبها الإداري العام مع بعض الإضافات العثمانية [13]، ولهذا لا يمكن الحديث عن تغير بنيوي في الجهاز الحاكم يبرّر وصف الوضع الجديد بالاحتلال، بل إن الحوادث تؤكد أن الوضع الجديد منح مصر الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والاستتباب الأمني والرواج التجاري والإنتاج الزراعي والهدوء الصحي ومن ثم النمو السكاني في القرن الأول بسبب حضور الدولة وتدخلها في كافة شؤون الولاية، ولم يتغير الحال إلا بعد ضعف الدولة وما ترتب عليه من مظاهر أدت إلى فرض القوى المحلية نفوذها واستغلالها لكافة الموارد الاقتصادية لحسابها الخاص مما أدى إلى عودة دورة الغلاء والمجاعات والأوبئة على فترات متقطعة، ومع ذلك ستتعامل معها الدولة بكفاءة أكثر من الماضي كما سيأتي، ويجب أن نتذكر أن هذا هو الحال الذي ساد قبل دخول العثمانيين وأن اقتصار فلسفة الحكم على المهام الدفاعية والأمنية للدولة ليس خاصية عثمانية بل نمط مستمر قبل العصر العثماني [14]، كما أن التشريعات والتنظيمات الإدارية التي وضعها العثمانيون كانت تهدف إلى إنصاف الفئات الاجتماعية الريفية وأن عدم الاكتراث بها جاء من قبل رجال الإدارة المحلية في الريف من الملتزمين ومشايخ النواحي [15]، وبهذا يتبين أولا أن حضور الدولة لم يكن حضورا استعماريا استغلاليا وثانيا أن المشاكل نتجت عن عدم حضور الدولة لا عن سطوتها [16]، وثالثا أن العيوب كانت في الجهاز المحلي وليس في المركز كما يفترض في الاحتلال الأجنبي، وإذا كان هذا من ثغرات الحكم العثماني فإن النقطة التي تتعلق بموضوعنا هنا هي نفي البعد الاستعماري الاستغلالي الذي حاولت الكتابات المتأثرة بالاستشراق، التابع للاستعمار الحقيقي، إلصاقه بالعثمانيين.
كما أن هذا العالم العثماني شهد موجات من الهجرات عابرة الحدود بين ما أصبح أقطارا مختلفة، ولم تكن هذه الهجرات لتثير أي اعتراضات قومية أو قطرية في زمنها، لم تكن هذه الاختراعات موجودة أصلا، ومن الأمثلة البينة على ذلك هجرات المغاربة إلى مصر والتي سبقت زمن الدولة العثمانية ولكنها ازدادت فيه إلى المشرق العربي عموما وإلى مصر خاصة وقام المغاربة بأدوار سياسية واقتصادية بارزة، فقد عملوا بالتجارة في مصر وكونوا ثروات كبيرة واحتكروا بعض أصناف السلع وتغلغلوا في الحياة الاقتصادية المصرية وصار لهم نفوذ سياسي إلى حد التمكّن من عزل والي القاهرة الذي كان يهدد مصالحهم فطلبوا إلى الباشا العثماني عزله وإلا لجأوا إلى السلطان نفسه فلم يسعه سوى تلبية طلبهم.
ولم يؤد الدور السلبي الذي قام به بعض العربان المغاربة في صعيد مصر إلى أي حزازات قومية أو قطرية، كان التعامل يتم مع مصدر الخطر بصفته الفردية دون تعميم الاستياء على الشريحة كلها كما يحدث في يومنا هذا مع شديد الأسف، لقد كانت الأمور تجري بسلاسة أكثر من زمننا، ولما تعرضت مصر لخطر الحملة الفرنسية هب المغاربة للدفاع عنها من مصر بل ومن الحجاز أيضاً، وهنا بدأ نابليون العزف على نغمة الحدود وتهديد “الأغراب” المغاربة بوجوب السفر إلى “بلادهم”، أما قبل ذلك فلم يكن أي دور سلبي تقوم به أي شريحة مغربية داخل المجتمع المصري العثماني مؤديا إلى التأثير سلبا على الأدوار الإيجابية الكبيرة في الحقول السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية حيث احتل المغاربة إضافة لما سبق ذكره مكانة هامة في أروقة العلماء واندمجوا وتزاوجوا مع المجتمع المصري وأثّروا فيه تأثيرات ما زال بعضها ظاهرا إلى اليوم، كلهجة أهل الإسكندرية [17]، دون حواجز الحدود التي نشأت بعد ذلك.
ومن مظاهر التمازج التي لا تقبل إسقاط واقعنا على الماضي مظهر مصر المؤثرة هذه المرة وليست المتأثرة، فالحجاز في العصر العثماني “كان ميدانا مصريا خالصا، حيث قامت الإدارة المصرية برعاية كافة شؤونه”، سواء السياسية حيث لم يكن يعين الأشراف ولا الولاة في الحجاز وجدة والمدينة إلا بموافقة الإدارة المصرية إلا ما ندر، ومن الناحية الاقتصادية كانت مصر أهم الأقاليم التي تقدم المساعدات للحجاز بسبب شح موارده “وقامت بأعباء الحجاز فيما يحتاج إليه من رعاية كافة شؤونه”، وفي الجانب الاجتماعي قامت علاقات مصاهرة بين الطرفين وقدمت مصر رواتب خاصة للضعفاء والأيتام والأرامل وذوي الحاجات الخاصة، كما تولى مصريون وظائف علمية وإدارية عديدة، وقدّموا دعما كبيرا للحياة العلمية في الحجاز على شكل أوقاف ورواتب للعلماء بالإضافة إلى أموال الصرة والجوالي وبعض الضرائب المفروضة على المقاطعات والناس في مصر، ويلاحظ أن معظم مدرسي المدارس المصرية في الحجاز كانوا من غير المصريين وهو ما جعل هذا الإقليم جاذبا لعلماء العالم الإسلامي مثل مصر نفسها في تلك الفترة، وقام الكثير من المصريين بإنشاء مختلف المؤسسات العلمية في الحجاز كالمدارس والمكتبات والزوايا، وقدّم المصريون مساهمات علمية كبيرة في حلقات العلم بالحرمين في شتى فروع العلوم الإسلامية واللغة العربية وحافظوا على روايات أمهات الصحاح ومسانيد الأئمة كما ساهموا في العلوم العقلية والطبيعية والاجتماعية، وكانت الإجازة العلمية المصرية “أشهر الإجازات، يبذل الطالب في الحجاز كل غال وثمين من أجل الحصول عليها من علماء مصر حتى إنهم كانوا يحضرون إلى مصر للحصول عليها وكانت الإجازة المصرية أشهر إجازة في ذلك العصر يأخذها طلاب الحجاز” [18]، كل ذلك في جو من التمازج والاختلاط البعيد عن التعصب القومي والوطني أو المحاصصة الطائفية التي ابتكرها الغرب في بلادنا بزعم توزيع الحقوق على أصحابها فأدت إلى مزيد من النفور، ولم يتحدث أحد آنذاك عن احتلال مصري ولا هيمنة مصرية على الحجاز، فكيف يمكن الحديث عن احتلال عثماني يوفر “لضحاياه” المصريين فرصة هذا التمدد والانتشار؟ وهو ما يفيد موضوعنا بعدم صواب إسقاط الواقع المعاصر على ماض يخلو من الظواهر الحالية فلا مكان لوصف المسلم أيا كان أصله “بالأجنبي” أو حكمه “بالاحتلال”.
ومن الملاحظ أن اللغة العربية ظلّت سليمة ودارجة لمدة أربعة قرون من الحكم العثماني لم تتغير لغتنا، ويقوم الأزهر على حمايتها في ظل رعاية الدولة العثمانية له وعدم تدخلها في شؤونه الداخلية أو محاولة فرض تعيينات أو أنظمة عليه من خارج محيطه وبروز عدة أعلام كبار من شيوخه وطلابه وفقا لتوثيق حتى من يتحامل عليها كما يسرد ذلك الدكتور عبد العزيز الشناوي [19]، كل ذلك مقارنة بما صنعه الاستعمار لاسيما الفرنسي الذي محا العربية وأحل الفرنسية محلها ثم جاءت دولة التجزئة لتقوم مقام الاستعمار بعد رحيل جيوشه فتضمحل اللغة العربية في ظلها اضمحلالا شديدا ولما يمر على حكم التجزئة قرن واحد صارت فيه العربية غريبة في أوطانها ثم لا يستحي أنصار التجزئة من الحديث عن أسطورة التتريك العثماني ولو كان هناك تتريك مدة هذه القرون الطويلة لما بقي للعربية أثر كما تؤكد هذا التجربة الفرنسية.
۞ رمتني بدائها وانسلّت: أين هو الاحتلال الفعلي وأين تمت الوحدة الحقيقية؟
هذا من جهة، ومن جهة أخرى أعجب كثيرا من وصم التجربة العثمانية الوحدوية التي استقرت في العالم العربي بين ثلاثة وأربعة قرون بالاحتلال من جانب أنصار الاستقلال والدولة الوطنية التي كانت كل تجاربها الوحدوية استعمارية حتى تجاه أشقائها العرب إذ وجدنا كل هذه التجارب تنتهي بالفشل الذريع بعد مدد وجيزة جدا بعدما فشل الأخ العربي في معاملة أخيه على قدم المساواة مما أدى إلى الانفصال أو النزوع إلى الانفصال في جميع تلك التجارب بلا استثناء حيث اشتكى الإخوة بمرارة من استعمار أخيهم وجارهم ولم تستمر تجربة وحدوية عربية واحدة في ظل الدولة الوطنية والمشاعر القومية، ولو درسنا فشل التجارب الوحدوية العربية على تعددها سنجد الرابط بينها تسلّط الأخ على أخيه والجار على جاره، هذا إذا لم تنزع الدول الواحدة إلى التفتت والانقسام في ظل التسلط الداخلي بين الفئات المتناحرة، وبينما كان العرب ينزعون للانضمام للدولة العثمانية والاستنجاد بها ضد الأخطار الخارجية، نزعوا للاستنجاد بالخارج ضد الأخطار الداخلية في زمن التجزئة العربية، ونجد النزعات الانفصالية تستشري في هذا العالم العربي داخل الدول الموحدة نتيجة المشاعر الساخطة من تسلّط الإخوة والأشقاء فضلاً عن الجيران، وبدلا من الوحدة نتّجه لتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، ولا أتحدث هنا عن مؤامرات الأعداء التي هي بالتأكيد حاضرة دائما وأبدا بل حديثي عن الظلم والإساءة التي يرتكبها الأخ في حق أخيه باسم شعارات براقة فيدفعه للاستجابة لمؤامرات الأعداء بعدما يكون في البداية مقبلاً على أخيه ومرحباً به ومصدقاً لدعاواه، ولهذا يحسن بأنصار الدولة الوطنية ألا يقذفوا تجارب غيرهم بالحجارة فيما تجاربهم هم من زجاج.
۞ الهوامش

[1]-Bowen, Harold, British Contributions to Turkish Studies, London, 1945, p. 8.
[2]-زين نور الدين زين، نشوء القومية العربية مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية، دار النهار للنشر، بيروت، 1986، ص 20-21.
-هاملتون جب وهارولد بوون، المجتمع الإسلامي والغرب، دار المعارف بمصر، 1971، ترجمة: الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى، مراجعة: الدكتور أحمد عزت عبد الكريم، ص 30.
[3]- روبير مونتران، العلاقات بين القاهرة واستانبول أثناء الحكم العثماني لمصر من القرن 16 حتى القرن 18، بحث مقدم إلى ندوة ألفية القاهرة – إبريل 1969، مجلة المجلة، ترجمة: زهير الشايب، ص 56. (من صفحة الأستاذ كريم عبد المجيد على الفيس بوك مارس 2016).
[4]- أندريه ريمون، المدن العربية الكبرى في العصر العثماني، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة، 1991، ترجمة: لطيف فرج، الغلاف الخلفي.
[5]- الأستاذ الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، فصول من تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني، دار الكتاب الجامعي، القاهرة، 2004، ج 2 ص 5-6.
[6]- دكتورة نللي حنا، تجار القاهرة في العصر العثماني: سيرة أبو طاقية شاهبندر التجار، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 1997، ترجمة وتقديم: دكتور رءوف عباس، ص 11-15.
[7]-Stanford J. Shaw, Ottoman Egypt In The Eighteenth Century: The Nizamname-I Misir Of Cezzar Ahmed Pasha, Harvard University Press, Cambridge, Massachusetts, 1962, pp. 3-4.
(*) مما رفع مشروع محمد علي انتصاراته و”قبول سكان الأناضول لسياسة خلع السلطان، وإعلان مقاطعات عديدة في آسيا الصغرى التحاقها بمشروعه (أي مشروع محمد علي)” : حسن الضيقة، دولة محمد علي والغرب: الاستحواذ والاستقلال، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، 2002، ص 166.
[8]- زين نور الدين زين، نشوء القومية العربية مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية، دار النهار للنشر، بيروت، 1986، ص 25-26 و 40.
[9]-صلاح عيسى، رجال مرج دابق: قصة الفتح العثماني لمصر والشام، دار الفتى العربي، بيروت، 1983، ص 5.
[10]- فيليب فارج ويوسف كرباج، المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2013، ص 181.
[11]- زين نور الدين زين، ص 24.
[12]-زاكري كارابل، أهل الكتاب: التاريخ المنسي لعلاقة الإسلام بالغرب، دار الكتاب العربي، بيروت، 2010، ترجمة: د. أحمد إيبش، ص 208-209 و 233 .
[13]- أيمن أحمد محمود، الأرض والمجتمع في مصر في العصر العثماني (1517-1658)، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة، 2008، ص 245.
[14]- ناصر أحمد إبراهيم، الأزمات الاجتماعية في مصر في القرن السابع عشر، دار الآفاق العربية، القاهرة، 1998، ص 279-282.
[15]-أيمن أحمد محمود، ص 246.
[16]-زين نور الدين زين، ص 27.
[17]- الأستاذ الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، فصول من تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني، دار الكتاب الجامعي، القاهرة، 2004، ص 283-305.
[18]-دكتور محمد علي فهيم بيومي، دور مصر في الحياة العلمية في الحجاز إبان العصر العثماني (923 1220 – 1517 1805م)، دار القاهرة، القاهرة، 2006، ص 701-705.
[19]- دكتور عبد العزيز محمد الشناوي، الأزهر جامعاً وجامعة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1983، ج 1 ص 321-326.